الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الأصفار والآحاد تعصف باللغة

بسبب انتشار الأمية على نطاق واسع في أوساط الناطقين بالعربية وبسبب تدني مستويات التعليم كانت الميديا بديلا أليفا استعاض به متواضعو التعليم والأميون عن ذلك النقص.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/09/29، العدد: 10051، ص(18)]

ينفتح المشهد في كل يوم على اللغة، ليس هنالك من عامل فاعل في هذه الأنساق الاجتماعية والثقافية الكونية أقوى من اللغة، ولهذا ظلت إلى حين متحصنة في قلاعها، عمادها خزين نحوي وبلاغي وقدرات لغويين وأدباء متمرسين وصانعي ثقافة، ينسحب الأمر على اللغات الحية جميعا وليس غريبا أن تسمع مقولة لغتنا هويتنا، هو ليس شعارا ثوريا بل شعار واقعي يعبر عن لحظة حاسمة في الوعي أن الإنسان بلا لغته يكون قد فقد بوصلة المكان كما فقد الإحساس بتاريخ الأشياء المحمولة على اللغة وحتى بالزمن أيضا .

في موازاة ذلك كنا إزاء تاريخ حافل للتدوين، تاريخ حمل في ثناياه كيف تحولت اللغة الشفاهية إلى أنساق مكتوبة/ مقروءة/ مرئية، عني بدراستها ودراسة تراكيبها اللسانيون حتى وصلنا إلى فضاء التجريد عندما عصفت ثقافة الأصفار والآحاد خلال أقل من نصف قرن وتحولت اللغة الرقمية إلى سيد مطاع وقوة عارمة وطاقة تواصل توظف في فضائها لغات العالم جميعا وتتعبد في محرابها الكبير.

هنا حلت ثقافة الأصفار والآحاد واكتظت الميديا بنتاج تلك الثقافة وصار التسارع الرقمي عاملا حاسما في تجريد اللغة من مقومات كثيرة تقليدية طالما حافظت عليها، صار شائعا استخدام الرموز والمختصرات اللغوية وإدماج الكلمات وتكثيف الجمل وصار هنالك تطويع للغة وفق حاجة

الفضاء الرقمي والميديا التي تسابق الزمن في ضخ مادتها إلى جمهور عريض هو بالملايين والمليارات. هنا استنفر اللغويون وحماة اللغة أبجديتهم وأذاعوا على الناس قصة ذلك الخطر المحدق باللغة وعاصفة الأصفار والآحاد التي أتت عليها، هذا الأمر ليس محصورا في اللغة العربية بكل تأكيد بل إن نداءات الحفاظ على اللغة الأم أمام هذه العاصفة تشترك فيها العديد من اللغات.

تنشر في صحيفتي الغارديان البريطانية وليبيراسيون الفرنسية في وقت متزامن مقالات تقرع جرس الإنذار وتدعو إلى حماية الإنكليزية والفرنسية من آثار التدفق الرقمي الذي سلب اللغة جماليتها وأنسى الأجيال حقيقة أن لهم لغة قومية تتنوع مثل تنوع الخمائل المزهرة والبساتين التي تكثر فيها أنواع الفاكهة كناية عن التنوع الثري للغة.

وإذا سحبنا الأمر إلى لغة الضاد فالإشكالية أفدح بكثير، فبسبب انتشار الأمية على نطاق واسع في أوساط الناطقين بالعربية وبسبب تدني مستويات التعليم كانت الميديا بديلا أليفا استعاض به متواضعو التعليم والأميون عن ذلك النقص، الميديا وفرت لمستخدميها وسائل سهلة ورخيصة، ثم كان الغوص في فضاءات الشبكة العنكبوتية وبرامجها وشبكات التواصل الاجتماعي عاملا آخر إضافيا جعل العاصفة الرقمية تأكل المزيد من جرف اللغة العربية ثم وبسبب كل ذلك لجأ ملايين من الناطقين بالعربية والعاجزين عن توظيفها لغويا وأدبيا، إلى اللهجات المحكية وصار لها حضورها الفاعل خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي بل ربما استسهالا وشعورا بالحميمية على اعتبار أن الفصحى تبدو رسمية أكثر ومتكلفة أكثر، ومع كل هذه الأسباب ظلت اللغة في لجة العصف الرقمي وجميع الاحتمالات مفتوحة لما هو آت.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر