الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

باربا الشاطر

حياتنا سوق مكتظة فيها المنادون على بضائعهم من كل صنف ولون، والشاطر هو من يخدعك، ويغتنم منك ما يريد، لا من 'يكسب الزبون'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/10/02، العدد: 10054، ص(24)]

عالم الأطفال فيه كل شيء، ومنه يبدأ كل شيء، والنظر فيه بين الوقت والآخر يكسب المرء عبرا قلما يجدها في عالم الكبار، وتعبير “قبّيلو جعيصو”، هو اسم لعبة شامية، كان الصغار يضعون فيها لوحا مطاولا من الخشب على حجر كبير، ويجلس كل واحد منهم على طرف من اللوح، ليرتفع عاليا بينما ينخفض الآخر ثم ينخفض ليرتفع رفيقه، وهي لعبة الميزان المعروفة عالميا في كل الحارات والحدائق ومدن الملاهي، لكني عثرت على هذا الاسم، الذي يبدو آراميا، مشتقا من لغة عتيقة نطق بها المسيح ذات يوم، فأخذني إلى الميزان، والميزان فاتن في منطقه، يدخل في عمل كل آلة، وفي تكوين كل فكرة وخيال أو حجر أو شجر أو فلك، وهو العدل، فمن غيره تنهار الأشياء، والخروج عن الميزان، هو أقصى طموحات الإنسان، أراد أن يطير، بلا واسطة، وأراد أن يكسب بلا تعب، وأراد أن يحكم ويتغلّب بلا إقناع، وأراد أن يثري ويفقر الآخرين.

وفي السبعينات، ظهرت سلسلة من القصص القصيرة، سمّاها مبدعوها في فرنسا أنيت تايسون وتالوس تايلور، “قصص بابا باربا”، وكانت مخصصة للأطفال، لتنتقل إلى أكثر من ثلاثين ثقافة ولغة في العالم، وتم تحويلها إلى مسلسل كرتوني قصير زمن الحلقة فيه خمس دقائق فقط، لكن حين وصلت تلك الحكايات إلى العربية، تمت تسميتها “باربا الشاطر” ولا نعرف من أين أتى مترجموها بصفة الشاطر، لكننا نعرف، والحق أن هذا هو ما بحثت عنه النخب والمجتمعات العربية في تلك الفترة بالذات، تعميم التشاطر والشطارة، على حساب كل شيء، ليصبح التشاطر في شؤون الحياة مقدّما على الكفاءة والقدرات الحقيقية اللازمة للقيام بأي دور.

باربا العظيم، الذي يعدّ من أشهر سكّان الكوكب، حتى أن محرك البحث العملاق غوغل احتفل به قبل فترة، كان قد ولد في حديقة مثل أي زهرة، يمكنه أن يتخذ أي شكل يريده، يشبه حلويات الجيلي، ويشبه الهلام، ومع باربا بابا تعيش أسرته وهو محبوب وخفيف الظل، على النقيض من شطّار العصر.

حياتنا سوق مكتظة، فيها المنادون على بضائعهم من كل صنف ولون، والشاطر هو من يخدعك، ويغتنم منك ما يريد، لا من “يكسب الزبون” كما كانت عادة كبار التجار أصحاب التقاليد والعادات النبيلة، أما الشطّار فهم كما قال الطبري أنه “حين ذلّت الأجناد و تواكلت عن القتال، إلا باعة الطرق والعراة وأهل السجون والأوباش والرعاة والطرارين وأهل السوق، أسموهم بالشطار”، أما ابن بابويهْ القُمّي فقال إن الشطار مهارتهم “شطارة فسق”.

يرتفع باربا الشاطر الإنسان اليوم، وينخفض على ميزان لعبة الأطفال، ولا مانع لديه من أن يسيل كالزيت كما تقتضي الحاجة، أو يتصلّب ويصبح صخرة، ثم يتغيّر ويكون بالونا يطيره الهواء أو حتى فقاعة صابون، المهم بالنسبة إليه هو أن يستمر ويكسب.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر