الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

أميركا ليست صديقة الشعب السوري

الولايات المتحدة الأميركية ليست صديقة الشعب السوري لأنها حتى الآن فيما يبدو لا تمتلك رؤية واضحة ومحددة حيال قضيته الآخذة في التعقيد والمأساوية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/10/19، العدد: 9353، ص(9)]

الولايات المتحدة الأميركية ليست صديقة للشعب السوري، والمعارضة السياسية ليست وطنية بما يكفي، وهنا تكمن مشكلة الاستعصاء التي تواجهها الثورة السورية على صعيد إنجاز أهدافها وتقليص تداعياتها، على أن ثمة تداخلا بين هاتين المسألتين تتبادلان من خلاله ومعه علاقة التأثر والتأثير على هذين المستويين.

الولايات المتحدة الأميركية ليست صديقة للشعب السوري لأنها حتى الآن في ما يبدو لا تمتلك رؤية واضحة ومحددة حيال قضيته الآخذة في التعقيد والمأساوية، والسبب يعود إلى جملة من العوامل المحلية التي تخص الوضع الأميركي بعد فشلها المعروف في العراق وأفغانستان، وبعد تفاقم أزماتها المالية والاقتصادية وانعكاساتها على المزاج الأميركي الرافض لكل أشكال التدخل العسكري الأميركي في الخارج، في حين يبقى العامل الإسرائيلي حاسما في أي توجه أو قرار أميركي فيما يخص المسألة السورية.

وعلى الجانب الآخر يظهر العامل السوري المتمثل في غياب الموقف الموحد للمعارضة السورية تجاه النظام وحيال التصور المفترض لمستقبل سوريا. وهو ما انعكس واضحا على علاقة أطياف هذه المعارضة ببعضها البعض، وعلى الموقف من التطورات التي شهدتها مسيرة الثورة محليا ودوليا طوال عامين ونصف العام من عمر الثورة، إضافة إلى غياب التنسيق والتفاهم بين أطياف هذه المعارضة مختلفة التوجهات والمواقف بين الداخل والخارج، بل داخل هاتين المعارضتين وفي مقدمتهما المجلس الوطني والائتلاف السوري لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالطموحات الشخصية أو الحزبية وارتهانها إلى الدعم الخارجي لتحقيق تلك الأهداف، ما انعكس سلبا على قدرة تلك القيادات على قيادة المرحلة وإقناع القوى الدولية المساندة للثورة على قدرتها على أن تكون البديل الوطني القادر على ملء الفراغ الذي يمكن أن يتركه سقوط النظام، لاسيما في ظل وجود حالة من الانقسام الأفقي في بنية المجتمع السوري التي كانت منضبطة بفعل سلطة القوة الأمنية المهيمنة التي كانت تتحكم في علاقاته وليس بسبب توفير شروط وحدتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، لأنها سلطة تظل تقوم وإن بشكل غير مقنن على المحاصصات الطائفية والعشائرية والمناطقية بما في ذلك حزب البعث الذي يتبنى شعار الوحدة العربية. وهنا تكمن إحدى المفارقات التي كان النظام يعرف كيف يديرها ويتحكم في آليات إنتاجها وتسويقها.

الإدارة الأميركية ليست صديقة للشعب الأميركي لأنها لو مارست سياسة الحزم العسكري مع النظام منذ بداية جرائمه لما تشجع على تصعيد وتيرة العنف والإجرام الذي يرتكبه بحق الشعب السوري، ولما اتخذت المأساة السورية كل هذا البعد الدموي والإنساني الصارخ وغير المسبوق في تاريخ الإنسان الحديث. لقد كان التهديد الجدي من قبل الإدارة الأميركية باستخدام القوة ردا على جريمة الكيميائي في غوطة دمشق كافيا لكي يتراجع الروس أولا عن تأمين الحماية للنظام بإعلانهم المبكر عن عدم استعدادهم للقتال دفاعا عنه في حال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية له، في ما سارع النظام للقبول بالتخلي عن ترسانة سلاحه الكيميائي مقابل تفادي هذه الضربة، بل وما زال يتعامل بإيجابية تامة مع عمليات التفتيش وتدمير هذه الترسانة من قبل المفتشين الدوليين، ما دفع بالولايات المتحدة إلى إعلان ترحيبها بهذا التعاون.

وكما تخلى النظام عن الجولان وحاول أن يجعل من استعادته للجزء الأكبر من مدينة القنيطرة المهدمة انتصارا له، فإنه لا يعنيه في الوقت الراهن سوى الحفاظ على بقاء نظامه لأنه في الأساس لم يمتلك هذا السلاح وغيره من أجل العمل على استعادة الجولان وإنما من أجل تعزيز موقعه في اللعبة الإقليمية، والحفاظ على نظامه من أي تهديد بعد أن ورط نفسه في جميع صراعات المنطقة.

الترحيب الأميركي بموقف النظام من قضية تدمير سلاحه الكيميائي نابع من حرص أميركا على مصالحها في المنطقة وعلى مصالح إسرائيل، في الوقت الذي باتت السياسة الأميركية منصبة على اختزال القضية السورية في هذا الجانب، دون الاهتمام المطلوب بالجوانب الإنسانية أو الدعم العسكري المطلوب للجيش السوري الحر لتعزيز موقعه العسكري سواء حيال النظام أو القوى الجهادية المتطرفة، التي تعمل جاهدة على تأمين هيمنتها ومصالحها الاستراتيجية على حساب الجيش السوري الحر وقوى الثورة المعتدلة الأخرى في المناطق المحررة.

في ضوء هذه الحقائق التي باتت معروفة لم يعد ممكنا إقناع السوريين بأن الولايات المتحدة هي صديقة لهم، وتعمل مخلصة على وضع حد لمأساتهم الإنسانية المتفاقمة، لأنه في الوقت الذي يمتدح فيه وزير الخارجية الأميركي جون كيري سلوك النظام حيال المطالب الدولية بشأن تدمير ترسانته الكيماوية، لا يتورع الأخير عن قتل السوريين بكل أنواع الأسلحة الفتاكة الأخرى أو بحصار الجوع الخانق في غوطة دمشق ومناطق جنوب العاصمة، وكأن الضحية في حالة الموت بالسلاح الكيماوي تختلف عما هي عليه بالصواريخ البالستية وصواريخ غراد وبراميل الموت والطائرات، أو أن هناك ثمة تمايزا في أسلوب القتل يجيز هذا التناقض والازدواجية في مواقف الإدارة الأميركية.

في المقابل تبدو المعارضة السياسية السورية مشغولة بحساباتها الخاصة الشخصية منها والحزبية ولذلك فهي تبحث عن الجهات الإقليمية الداعمة لها لتعزيز موقعها ومكاسبها السياسية في سوريا المستقبل بعد سقوط النظام، الأمر الذي صاحبه تزايد نفوذ تلك القوى الإقليمية على حساب القرار الوطني السوري المعبر عن مصالح وأهداف الثورة السورية في الحرية والكرامة وبناء المجتمع المدني الديمقراطي، ما جعل تلك القوى تخسر الرهان على دورها وعلى قدرتها على تشكيل البديل المطلوب في هذه المنطقة الحساسة من العالم التي تحظى بمكانة خاصة في استراتيجيات تلك القوى الكبرى، بل إن حالة الانقسام والخلاف داخل صفوفها جعلتها عاجزة عن التأثير المطلوب على مواقف وقرارات تلك القوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية .

إن المعارضة الوطنية المسكونة بالهم السوري هي التي تعمل على تحقيق أهداف الثورة وتمكين السوريين من الصمود والانتصار على طاغية عصرهم، في حين أن الممارسات الأخرى يمكن أن تكون مشروعة ومبررة في إطار اللعبة الديمقراطية التي يمكن أن تتحقق بعد إسقاط النظام والوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر