الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

'الوجبة السريعة' والأفول الأميركي

ورثت إيران العراق عن أميركا بعد أن عملت على مدى أكثر من عقد على حصاره وتدميره، نفس الأمر تقريبا استجد في أفغانستان وباكستان.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/10/05، العدد: 10057، ص(8)]

لولا باراك أوباما ما كان فلاديمير بوتين، ولولا مقاربة ما بعد التدخل الأميركي في المنطقة، لما تمكنت موسكو من إرساء مقاربة الانخراط الروسي في قضايا الشرق الأوسط، ولولا الاقتناع بضرورة الهروب من مستنقعات العراق وسوريا وأفغانستان، لما تكمن الكرملين من سدّ فراغ إستراتيجي في جغرافيا تأبى الغياب. ورثت موسكو عن أميركا أنصاف دول في العراق وأفغانستان بعد أن عجز التدخل الأميركي عن بناء بيئة مواتية لإرساء دولة وطنية جامعة.

وعلى طريقة “الأكلة السريعة” الأميركية كان التدخل الأميركي بمثابة الوجبات الحاضرة للاستهلاك، فالدستور الجديد جاهز، والجيش الحديث حاضر، وصناديق الانتخابات قائمة وحتى شكل البرلمان وتوليفة النظام السياسي في بلدان التوسع الأميركي كانت محيّنة. كل الأمور كانت وفق تفكير الوجبة السريعة جاهزة، إلا أنّ الواقع الإنساني بتناقضاته، والسياق الإستراتيجي بتعقيداته، والمشهد الأنثروبولوجي بثرائه وتبايناته، كان أعسر وأصعب وأكثر عمقا من مجرد إسقاط قوالب سياسية وثقافية جاهزة على دول عامرة ومعمّرة لأكثر من آلاف السنين من الحضارة الإنسانية.

وكما كان التدخل الأميركي على طريقة الوجبة السريعة كان الخروج أيضا على شاكلة “الهمبورغر”، حيث حزمت واشنطن حقائبها في عجلة من أمرها دون استشراف لاستتباعات الأمور أو قراءة لتداعيات الأحداث أو تحمّل أخلاقي وسياسي لمسؤولية تدخّل أرعن، وخروج أشد رعونة.

البسط هنا لا يتمحور حول شرعية التدخل الأميركي في العالم العربي واستتباعات هذا الإقرار في مشروعيّة الانسحاب بقدر ما هو بحث في المنظومة الأبستيمية وفي خارطة الإدراك الأميركي الحاكمة لفعل التدخل ولعمل الانسحاب.

حيال منظومة “التدخل السريع والخروج الأسرع” في البلدان العربية والإسلامية كانت دول إقليمية تنتظر خراج التوسع الأميركي، مدركة تمام الإدراك أنّ واشنطن العاجزة عن البقاء أعجز عن الذود عن حلفائها أو أصدقائها، وأنّ خطوط دفاعها الأخيرة باتت متمثلة في تأمين مصالح إسرائيل بالمنطقة.

ورثت إيران العراق عن أميركا بعد أن عملت على مدى أكثر من عقد على حصاره وتدميره، نفس الأمر تقريبا استجد في أفغانستان وباكستان في ظلّ توظيف إيراني لواقع السيادات المنتهكة والمضطربة وتجيير لواقع الإثنيات الدينية في تلك البلدان.

وكما طهران، كانت موسكو الوارثة السياسية والاقتصادية لأميركا في مصر ما بعد أحداث 30 يونيو التي مثلت نقطة تباين بين واشنطن والقاهرة. وهي كلّها مقدمات أفضت إلى قناعة روسية بضرورة التقدم في ظل الانحسار الأميركي، وقضت بإدراك روسي بحتمية الاستبسال أوّلا في الموقف حيال النظام السوري، وثانيا بالانخراط الفعلي في المشهد العسكري في الشام.

الشاهد من هذا المفصل أنّ واشنطن صارت أعجز من الحسم العسكري عند التدخل، وأقصر من الحسم السياسي والإستراتيجي عند الانسحاب، وهي كلها مؤشرات عن هوان الإمبراطورية الأميركية وبداية أفولها التي عادة ما يبدأ انحسارها بمنح القوى الصاعدة الحق في التصرف في حدائقها الخلفية، وهو إيذان بنهاية القوة الرمزية في انتظار سقوط القوة المادية.

يبدو من خلال تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما أنّ واشنطن لن تقاوم الجموح الروسي ولن تكافح للإبقاء على مصالحها في الشرق الأوسط، ولن تبحث أيضا عن تسوية مع الفاعل الروسي تضمن لها الحفاظ على حلفائها في المنطقة العربية.

الرهان على مشروع عربي في ظل المشروع الروسي أضغاث أحلام، والبحث عن مصالح عروبية في سياق الإستراتيجيا الإيرانية أوهام، كما أنّ التطلع إلى نهضة عربية في إطار المقاربة الأميركية مجرّد سراب.

وعلى الباحثين عن مصالح عربية في ظلّ التوسع الروسي أو الإيراني أن يستوعبوا، مليا، الدرس التركي الذي سوّق لنفسه منافحا عن القضايا العربية ثمّ كان أول المنقلبين عليها، وأن يدركوا أن التحالف الحقيقي بين الدولة السيدة والسلطة السائدة الحاكمة هو الأصل لكل تقارب في المصالح والمقاربات، وأنّ كل تحالف بين إمبراطورية عظمى أو إمبراطورية صاعدة وسلطة ضعيفة أو مهترئة ليس سوى تأشيرة للمزيد من التوسع على حساب جغرافيا العرب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر