الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

العراق والمنطقة.. صراع المجهول

الوصفة التي جاء بها الاحتلال الأميركي لحكم العراق ومن بعده الأحزاب المتسيّدة، وصفة أضرت كثيراً بشعب العراق، ولولا المناعة العالية التي يمتلكها لانهار.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/08/01، العدد: 9281، ص(9)]

لم تعد التفسيرات التقليدية لحالة الانهيار الأمني في العراق مقنعة، في مرحلة غاية في الأهمية على مستويات الاستراتيجيا الاقليمية والعالمية. فالعراق ليس كوخاً في غابة معزولة، تتحكم بمصيره أحزاب طائفية ومجموعات من عصابات مافيا النهب المسترخية من دون رقيب، ولا تكترث بنهر الدم العراقي، لأن الاحتلال ورّث لهم مجموعة من العناوين التبريرية الجاهزة لغش الناس (الإرهاب- القاعدة- البعثيين) وما زالوا يستخدمونها ويعتقدون إنها مقنعة للعراقيين، وكافية لحمايتهم من لحظة المكاشفة والحساب.

مسلسل الانهيار الأمني لا يشكل حوادث معزولة عن بعضها تنتهي آثارها بمساءلة هذا المسؤول المتورط أو ذاك، حتى وإن تحقق ذلك، وهو لن يتحقق في ظل تدهور سياسي تظلله العناوين الديمقراطية الهشة وفرعياتها في الحصانة الانتخابية التي أسيء استخدامها. مع إن تجارب ديمقراطيات العالم، وأمثلة الثورات الجديدة في المنطقة تؤكد أن إرادة الشعب قادرة على إزاحة أي نظام منتخب.

إن حالة الانهيار الأمني والسياسي ستؤدي في وقت قريب إلى تداعيات «النظام الفاشل» وليست الدولة الفاشلة التي لم تتشكل بعد. العراق يمّر بكابوس مرعب عبر إنبعاث «مليشيات» القتل المتنوع والمسلحة بأدوات جديدة استفادت من فضائحها عام 2006 وبحماية من أجهزة الحكومة، وبترتيبات متجددة من ظهيرها الداعم في طهران وغيرها من عواصم المصالح، مع انتعاش خطير لتنظيم القاعدة الإرهابي المستفيد من خط الانهيار؛ العراق – سوريا، ومجموعة مافيات يزدهر سوقها في ظروف الانهيار الأمني هذا، لديها القدرة على إيهام الحاكم بأنها تقدم له خدمة مباشرة في استبعاد الأضواء الكاشفة عن فشله الكبير مقابل حمايتها. وبعد عشر سنوات من الانهيار وتسيّد الطائفية بأبشع مظاهرها الممزقة للنسيج الاجتماعي العراقي، وفي النجاح المؤقت لعملية التيئيس ثم التخدير «بالمورفين الطائفي التقسيمي» لا مقاومة للاحتلال لكونه قدم هدية التاريخ في سيطرة الشيعة على الحكم ثم «لا معارضة لممثلي الشيعة الحكام لأنها تعني إعادة السلطة للعرب السنة والبعثيين»، وغيرها من المغالطات التي يرفضها أبناء عرب العراق الشيعة قبل غيرهم، لكنه مورفين مؤقت لم يتمكن من إلغاء الإرادة الكامنة لدى هذا الشعب الأصيل، ولم يقتل احتمالات التغيير الحتمي نحو دولة المواطنة.

وهذا ليس استنتاجاً خيالياً مثلما يزعم سكارى المكاسب والمغانم، فالاحتجاجات الشعبية الأخيرة في محافظات الجنوب المطالبة بالخبز والكهرباء والخدمات، ليست مسيسة من قيادات «شيعية» متنافسة مع المالكي حول السلطة، أو مدفوعة من «تنظيم القاعدة أو البعثيين أو السعودية» رغم عزلتها المدبّرة عن احتجاجات أبناء المحافظات الغربية المنتفضة منذ سبعة أشهر، ورغم التعتيم الإعلامي حولها، إنها ببساطة علامة مدوّية على فشل الحكم، وإدارة ظهره عن أبناء الطائفة الذين أوصلوا زعاماته الحزبية للسلطة. كانت هواجس الحاكم من ردة الفعل هذه مبكرة، لكونه لم يكن قلقاً من ولاء زعامات من العرب السنة الذين برزوا على الواجهة في فترة كسيحة بعد الاحتلال مدّعين تمثيل المكون العربي السني الذي استطاع شراءهم عبر الترغيب والترهيب والإسقاط السياسي وعبر ملفات وأموال ومواقع جاهزة، ولعل الحاكم لم يكن متوقعاً حالة انهيار تلك الزعامات أمامه لدرجة مقايضتها بدم أبناء جلدتها بمواقع الجاه والمال، وباستعداداتهم للمزيد مقابل تجديد بقائهم مع أنهم فشلوا أمام من انتخبهم في المناطق السنية، إلا أن هذه اللعبة لم تقدم أي عنصر من عناصر القوة للحاكم. يضاف إلى ذلك فشل نظرية توزيع الآثام والخطايا على رؤوس عدة، وهي نظرية سبق أن سقطت أمام قوة التغيير التي قادها الرسول الكريم، في عصر النبوّة المحمدية حينما خططت زعامات قريش لقتله في لعبة توزيع دمه على القبائل.

الحاكم لا يستطيع أن يمدّ عمر زعامته على بلد مدّمر، حتى وإن أحاطته قوى الإسناد من كل جانب. مجموعة الحكم ومناصروه يعتقدون أنهم مرتاحين لعدم حضور بديل وطني على الواجهة، بسبب الشغل الكثير الذي جرى من قبل الأميركان والأحزاب المتسيدة على عدم منح فرصة للتيار العراقي العابر للطائفية خلال السنوات الماضية للتعبير عن الإرادة الشعبية، خصوصاً بعد الانقضاض على مشروع القائمة العراقية وتفكيكه، وانكشاف رغبات المصالح الذاتية لدى غالبية قياداتها.

هناك تسويق من أهل العملية السياسية يقول بأن دعاة المشروع الوطني لا يتمكنون من دخول ملعب المنافسة السياسية وهم غير مؤثرين. وبذلك فهم في مأمن سياسي وأمني ولن يقلقهم الكلام، بل يساعدون دعاة المشروع الوطني على الانشغال «بالتنظير والنقد»، وهو اعتقاد واهم لأن البناء الهش للعملية السياسية وصل مرحلة حافة الهاوية.

إن الوصفة التي جاء بها الاحتلال الأميركي لحكم العراق ومن بعده الأحزاب المتسيّدة، وصفة فاسدة أضرت كثيراً بشعب العراق، ولولا المناعة العالية التي يمتلكها لانهار منذ وقت ليس قصيراً، رغم ما يشاع لدى المحبطين بأنه قد انهار فعلاً. فلن يخرج العراق من التمزق الداخلي بعد إنهيار محمياته الأمنية والسياسية سوى البديل الوطني الجاهز في عقول وضمائر النخب الفكرية والثقافية والسياسية النظيفة، والذين يحاولون اليوم بلورة مشروع نزيه عابر للطائفية. من جانب آخر فإن الحالة العراقية محاطة بإعصار جديد غير مسبوق في المنطقة، مفاجئ لصناع القرار الأميركي في واشنطن العاجزين عن تقديم حلول تتناسب ومهابة الامبراطورية التي دمرت بلداً مثل العراق لإثبات نجاحها في المنطقة، لكنها تتراجع اليوم وتفشل حتى في تفسير وتقديم حلول لظاهرة الانحدار الخاطف للإسلام السياسي في المنطقة نحو الهاوية، وهو سقوط في جميع حالاته لن يبعد طهران ذات «الإسلام السياسي الشيعي» عن حافات الخطر رغم انتصاراتها عبر أدواتها اللوجستية المليشياوية المسلحة المدعومة من قبلها في كل من العراق وسوريا نظام بشار ولبنان حزب الله وحوثيي اليمن ومجموعات البحرين، وخلاياها النائمة في الكويت والإمارات وشرقي السعودية ومصر. والإعصار الجديد لن يقدم مكافأة لتركيا «الإسلامية» التي أحيطت بمجموعة من المشكلات من قبل الحلف المقابل الذي عطل نشاطها اللوجستي في الملف السوري. فهذه القوى الإقليمية رغم تفاوت أحجام هيمنتها، ستظل تتصارع فيما بينها على الهوامش، فلا إيران ستحافظ على مسك أرض الانتصار لأن مشروعها التوسعي يقابل بالرفض من أهل المنطقة، ولا تركيا ستستمر في لعب دور المالئ لفراغ الزعامة العربية، ولن يكون الحكم الطائفي في العراق بعيداً عن مخاطر هذا الزلزال في ظل الوضع السياسي المنهار. لا شك أن صراع المنطقة الذي لم تتضح معالمه بعد، ويتصاعد بوتيرة سريعة عراقياً: بين القوى السياسية الطائفية والمجموعات النفعية، وبين شعب أنهكته الحروب والاحتلال والمليشيات الطائفية، مع إنه انتقل في هذه البقعة الحيوية من المنطقة من تشابك الخنادق إلى فرزها، وإلى احتمالات مسك زمام المبادرة شعبياً على مستوى العراق كله. أما صراع المنطقة الذي تبلور إلى صدام عسكري طائفي وحرب بالنيابة في سوريا تديره قوى عالمية وإقليمية كشفت عن مقادير قواها وأدواتها المذمومة، فوقت المهادنة فيه لم يحن قبل أن تفكك سوريا والعراق، واليمن وليبيا وتونس، وتضعف مصر، وسيزيد من اشتعاله الإصرار على التمسك بالسلطة في حكومات طائفية مستبدة خاصة في بغداد.

الضعفاء دائماً هم أدوات يدفعون فاتوراتهم للأقوياء، والصراع في المنطقة ما زال مجهول النتائج، أما في العراق فقد أصبحت أطرافه وقواه مكشوفة.

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

العالم الآن

:: اختيارات المحرر