الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

القيصر بوتين لن يدخل بغداد

إذا كنا لا نتوقع تورطا عسكريا لروسيا في العراق لأسباب عديدة، فإن وقائع التاريخ السياسي والعسكري القريب تثبت بأن روسيا لم تكن وفية لشعوب المنطقة بقدر حرصها على مصالحها.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/10/06، العدد: 10058، ص(8)]

الخبر الذي أعلن أخيراً عن تشكيل خلية العمل الاستخبارية، العراقية الروسية الإيرانية السورية، أثار بعض التعليقات والتوقعات عما يحدث على الساحة العراقية على وقع الحرب على داعش، لكن هذا الحدث لا يرقى إلى مستوى احتمالات عمل عسكري روسي واسع في العراق يتناغم مع الجهد العسكري الإيراني القائم بمستويات متعددة، رغم الترحيب المتعجل الذي أطلقه رئيس الوزراء، حيدر العبادي، في نيويورك بتلك الخطوة الروسية.

في وقت سابق رفضت الحكومة العراقية تدخلا عربياً جوياً لضرب داعش من داخل العراق أو عبر أجوائه. النقطة المهمة هي ما يعنيه هذا التطور في تشكيل تحالف جديد على الأرض العراقية يشرّع الوجود الإيراني العسكري، ويتعارض مع قيادة واشنطن للتحالف الدولي ضد داعش منذ سنتين، ويتزامن مع التورط العسكري الروسي الجديد في سوريا، وما سينقله ذلك للحالة المعقدة في كل من سوريا والعراق إلى احتمالات لصياغة تبدو غير قريبة لشرق أوسط جديد لا تصنعها واشنطن وحدها، بل سيكون المبادر الأول فيها قيصر روسيا الجديد على حساب أرواح وتشريد ملايين السوريين وخراب بلدهم، وقد تكون مقدمة سريعة لتقسيم سوريا.

وإذا كنا لا نتوقع تورطاً عسكريا لروسيا في العراق مثلما عليه الحال في سوريا، لأسباب عدة، فإن وقائع التاريخ السياسي والعسكري القريب تثبت بأن روسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) لم تكن وفية لشعوب المنطقة وشعب العراق، بقدر حرصها على مصالحها التي كانت عبر سنوات طويلة الأكبر في مجالات التسليح الحربي ومشاريع النفط. ولعل التاريخ القريب يسعفنا في كشف أطراف الصورة الجيوسياسية المختبئة خلف أحداث وحروب محلية انتقلت من شرق آسيا والقوقاز، إلى داخل منطقة الشرق الأوسط. كانت أميركا في تلك الحقبة هي القوة العظمى الوحيدة. فقد اشتغلت أجهزتها الاستخبارية على تفكيك الاتحاد السوفييتي من داخله عبر بريسترويكا ميخائيل غورباتشوف أواخر 1989 والمجيء بسلسلة رموز الانبطاح لأميركا بوريس يلتسن وفلاديمير بوتين، ودعم نفوذ إمبراطورية المال المتمثلة باليهودي بوريس بيريزوفسكي، وتفتيت النظام بحروب الاستنزاف بالشيشان وأفغانستان والبلقان أواسط التسعينات.

ويتذكر العالم كيف عجزت موسكو عن حماية حليفها سلوبودان ميلوزوفيتش، رئيس صربيا ويوغوسلافيا السابق، عام 1997 وراحت تتطلع إليه باستحياء وهو يقبع خلف شباك جرائم حربه في يوغسلافيا. وكانت الحرب العراقية الإيرانية هي نقطة الصراع الكبرى في المنطقة وعلى نتائجها تحددت معالم صورتها اللاحقة.

لقد دعم الاتحاد السوفييتي السابق العراق في حربه مع إيران 1980-1988 حيث كان تسليحه الأساسي روسياً، وكانت موسكو تقدم الدعم العسكري لكل من طهران وبغداد في وقت واحد بنفاق معروف دافعه المال وتسويق الكثير من معداتها المستهلكة مقابل مليارات الدولارات، وكان هدف موسكو، كما واشنطن، إطالة أمد تلك الحرب لاستنزاف البشر والمال.

ولعل الحرب العراقية الإيرانية قد رسمت وجه العالم الجغرافي السياسي في المنطقة ولا يزال أثرها ماثلا إلى اليوم حسب تعبير المؤرخ الفرنسي بيار رازوكس، فقد كان كل من العراق وإيران محركين قويين للحرب الباردة في ذلك الوقت، وساحتاهما كانتا ميداناً لحرب الوكالة. إيران مقابل العراق بعمقه العربي والخليجي في منطق توازن القوة الاستراتيجي، وكان التحول الجيوسياسي الخطير الذي تبنته مجموعة تيار اليمين اليهودي المتطرف في واشنطن بدعم إيراني وإسرائيلي، وبتعاون أدوات عراقية عميلة لسحق العراق كقوة رئيسية وليس المقصود نظامه السياسي، وتأهيل إيران لدور لاحق، وإحياء روسيا على أعقاب ذلك الفراغ الكبير لتصبح الخاصرة السورية ميداناً لحروب طائفية مدمرة داخل سوريا وفي كل من لبنان ثم العراق برعاية أنظمة تقايض أوطانها بالبقاء في سلطة الحكم.

وبعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية قامت واشنطن بتوريط صدام حسين باجتياح الكويت (أغسطس 1990) وقامت موسكو بدور تكميلي. لقد سبق للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب أن قام بزيارة لموسكو للتعبير عن شكره لغورباتشوف الذي لم يعترض على القرار الأميركي بالحرب على العراق عام 1991 إثر الزيارات المكوكية لمبعوثه يفغيني بريماكوف وفشله في إقناع صدام من الانسحاب من الكويت، وفشله المدبّر ليلة الاجتياح العسكري الأميركي 2003 بعد أن قال بوتين تصريحه المشهور “يجب أن ننحي عواطفنا جانباً عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات” لأن الثمن كان تأهيل روسيا أمام المجتمع الدولي على حساب العراق، وبذلك فلم تكن أميركا وحدها صاحبة جريمة ما تعرض إليه العراق، فروسيا شريكة بذلك.

ويظهر القبح الروسي مثلما هو الأميركي في أهم بلد عربي سوريا وقد يلحقه بالعراق. فاليوم يقتل أبناء سوريا بقنابله وطائراته مباشرة بعد أن وهنت أذرع نظام بشار عن الصمود وشارف على السقوط، ليعيد بوتين ما فعله أسلافه من جرائم في أفغانستان حيث شرد خمسة ملايين أفغاني بسنة واحدة، وفي الشيشان حينما تمزقت غروزني بالنار الروسية. بالتزامن والمشاركة لما حصل لأبناء العراق من جريمة الموت والتهجير الطائفي. ولعل رضى أوباما “الجندي الممتنع″ حسب وصف المؤرخ الأميركي جوليان زيليزر يزيد من تعقد المشهد وتداعياته.

سياسة أوباما المترددة والمتراجعة والغامضة في قضيتي سوريا والعراق أدت إلى فراغ مخيف، فبعد تحضير جيوسياسي استغرق وقتاً غير قليل منذ عام 2003 في العراق، ومنذ 2011 في سوريا تبلورت المعادلة الوهمية الاستخباراتية التي صنعت داخل البنتاغون والخارجية الأميركية ثم تم تسويقها، لكن الذي استفاد منها هو الحلف الروسي الإيراني وهي معادلة “إما الإرهاب والتطرف الداعشي أو نظام بشار”، وفي العراق إما “النظام الطائفي وتحكم الميليشيات المسلحة أو البعثيين وداعش”.

أوباما لا يمتلك إستراتيجية في سوريا فهو يقرر الضربات العسكرية ثم يتراجع، ثم يعترف بأن “الأميركان عجزوا عن الحل العسكري في العراق وكذلك روسيا في أفغانستان”. في العراق استسلم للهيمنة الإيرانية الكاملة رغم المناورات على الصعيد الميداني العسكري، ثم يفاجئه بوتين بالحل العسكري وانفراد التحالف الروسي الإيراني بتنفيذ مشروع الاحتلال الكامل هناك.

الوضع في العراق مختلف. الإيرانيون يمتلكون قدرات انفرادهم بالهيمنة بسبب سيطرتهم على النظام الطائفي القائم، فهو دعامة تلك الهيمنة التي كانت متحققة دون إعلان احتلال عسكري، ولا تسمح إيران لروسيا بأي خطوة للنفوذ في العراق، هل يحتاج بوتين في العراق اليوم أن يصبغ قبعته القيصرية بدماء العراقيين بعد سرقتهم في عقود السلاح، وإذا يسّر له أوباما دخول دمشق، فهو لن يتجرأ على دخول بغداد حتى وإن منحه الحكام ذلك.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر