الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

أكتوبر.. 42 عاما على الفرحة المجهضة

حرب أكتوبر قاعدة تم تدميرها عقب انطلاق رجعنا منه بانفتاح عشوائي هشم البنية الاجتماعية، وأطلق شهوة السعار للنهب، وانتهى بالتبعية لأميركا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/10/06، العدد: 10058، ص(9)]

الجيل الذي عاصر حرب 6 أكتوبر 1973 يذكر “ورقة أكتوبر”، يَستدعي المصطلح من ذاكرة متعبة، ولا يكاد يصدق أن ما حلم به صار إلى تلك النهاية الكارثية، ولا يسأل بالطبع أين ذهبت “ورقة أكتوبر”؟ لم تعد تلك الذكرى تنفع أحدا أو تعنيه؛ فبعدها جرت سلسلة من الشراك، قفزات إلى قاع لم نتمكن من النجاة منه. لا يمكن القفز إلى الهاوية إلا من ذروة، قمة صلبة تصلح للانطلاق، وكانت حرب أكتوبر قاعدة تم تدميرها عقب انطلاق رجعنا منه بانفتاح عشوائي هشم البنية الاجتماعية، وأطلق شهوة السعار للنهب، وانتهى بالتبعية لأميركا، والخضوع لعدو نجح في إثارة الغبار على نصر أكتوبر، بعد أيام من اندلاع الحرب.

أين ذهبت روح أكتوبر؟ لا آثار تذكر، تذكّرنا بتلك اللحظة، في الشعر والرواية والمسرح والسينما والأغاني، على عكس أعمال فنية قبل حرب 1956، وبعد هزيمة 1967، تكتسب أصالة وجمالا وحيوية تدهش جيلا لم يشهد تلك الأحداث، ولكنه يشعر بما فيها من “صدق فني” أودعه مبدعوها أمانة إلى الأجيال التالية. إنه حكم التاريخ، وقسوة الزمن، وقدرة الشعوب على الفرز وانتقاء الطيب من الخبيث، بعيدا عن أجواء مشحونة بالإدانة كما في حالة أحمد عرابي، أو احتفالية رسمية تجبر تلاميذ المدارس في طابور الصباح، على الرضوخ لجنون العظمة بالغناء لأنور السادات “يا رسول السلام”.

أراجع كتاب “التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط”، فأجد إسماعيل فهمي وزير الخارجية يحذر السادات “أنت تلعب بجميع أوراقك بالذهاب إلى القدس دون أن تجني شيئا، كما أنك ستفقد مساندة البلاد العربية”. ويروي أنه قال لمدير مكتبه أسامة الباز ولمحمد البرادعي المستشار القانوني بالوزارة ما سمعه من السادات، فقال الباز “هذا جنون، لاشك أن الرجل غير متزن. لابد من منع ذهابه إلى القدس حتى ولو استعملنا القوة”. أبرأ فهمي ذمته بالاستقالة في 17 نوفمبر 1977، قبل يومين من رحلة السادات، واختير وزير الدولة للشؤون الخارجية محمد رياض وزيرا للخارجية، “غير أنه خلال ست دقائق استقال أيضا”.

خطيئة جمال عبدالناصر أنه أسس دولة الرجل الواحد، يفكر وحده نيابة عن الشعب "المعلم"، ويحلم وينفذ وينتحر عملا وإخلاصا ونزاهة

أما وزير الخارجية التالي محمد إبراهيم كامل فسجل شهادته في كتابه “السلام الضائع في كامب ديفيد” منذ قبوله المنصب على مضض، وعلى مضض أيضا استمع إلى بيغن، وهو يصف لكارتر والسادات صعوبة المباحثات، قائلا إن كارتر بذل جهدا “يفوق العمل والجهد الذي بذله أجدادنا عندما بنوا الأهرامات في مصر، ودوى ضحك وتصفيق”. ولم يكن السادات الكاره للقراءة والثقافة والمثقفين “الأفندية الأراذل”، قادرا على تصحيح خطأ تاريخي، إذ بنيت الأهرام في الأسرة الرابعة، (2613 ـ 2494 قبل الميلاد)، قبل أكثر من 500 عام من زيارة متخيلة لإبراهيم الخليل إلى مصر، وفقا للعهد القديم وحده، ولا أظن البشرية أنجبت يهودا قبل إبراهيم.

تابع الوزير تنازلات الرئيس الذي كان يتصل بحفيده شريف في باريس، ويداعبه “إنت كخة يا شريف”، ويضحك ويكرر القهقهة أكثر من عشرين مرة. ومن يتفرغ لهذه المداعبات لن يتردد في القول لوزير الخارجية “سأوقّع على أي شيء يقترحه الرئيس الأميركي كارتر دون أن أقرأه‏”. رأى كامل رئيسه “يتحول إلى موظف في حضرة كارتر يتلقى تعليماته”، إنها “مذبحة التنازلات”، فاستقال الوزير في 16 سبتمبر 1978، عشية توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، تاركا مقعده شاغرا أمام الكاميرات‏.

لم يهنأ الشعب بنصر أكتوبر، أطفأ الفرحة توالي الصدمات، كما لم يفرح بعد 25 يناير 2011، لتوالي الصدمات.

الوعي الشعبي الذي يرتاب في السادات هو نفسه الذي أنقذ أحمد عرابي، وجعل منه وهو الضابط “زعيم الفلاحين”. لقب لا يبالي بشيء، ولا بعرابي الذي وصف ما جرى، في مذكراته، بأنه “النهضة المصرية”، ولم ينسب الثورة إلى نفسه.

لم يتعرض زعيم مصري لما أصاب سيرة عرابي من تشويه، منذ إعلان الخديوي توفيق “عصيان عرابي”، ووصفه بالشقي العاصي ابن العاصي والكافر ابن الكافر، الباغي وأتباعه من المفسدين. وبعد الاحتلال البريطاني الذي باركه توفيق، في 14 سبتمبر 1882، قبض على عرابي ورفاقه، ووجهت إليهم تهمة العصيان وتم تجريدهم من رتبهم، فصار عرابي باشا وزير الحربية “أحمد عرابي أفندي”، وعزلوا من الجيش المصري غير الموجود أصلا، إذ تم حله عقب الاحتلال. صودرت أملاك السبعة، عرابي وعلي فهمي وعبدالعال حلمي ومحمود سامي البارودي ويعقوب سامي ومحمود فهمي وطلبة عصمت، ونفوا إلى سريلانكا وهناك أصيبوا بالأمراض، وتوفي عبدالعال حلمي ومحمود فهمي ويعقوب سامي..

لم يكن أحمد شوقي يتمتع ببصيرة خطيب الثورة عبدالله النديم وعنفوانه، والأهم بإنسانيته، إذ ظل النديم يراسل عرابي في المنفى “يا قرة العين لك العذر… ولكنك كنت في بلاد أمراؤها ذئاب وأهلها أحزاب، كل حزب يميل إلى دولة”، وفي نهاية الرسالة يذكّره النديم بهزائم تعرضت لها دول وجيوش.

عاد عرابي إلى القاهرة (1901) ليواجه هجوما عاصفا أقرب إلى “هتّيفة” ابتلي بهم الإعلام المصري بعد 30 يونيو 2013، (فضائيات الإسلامجية ورجال المال). اتهموا عرابي بالمسؤولية عن الاحتلال. تشهير وتخوين وشماتة لم ينج منها شوقي، وقد استقبله بقصيدة “عاد لها عرابي”، بادئا بهذا البيت:

صَغار في الذهاب وفي الإياب ـ أهذا كل شأنك يا عرابي؟

أراجع الشوقيات، فتواجهني قصيدة “على قبر نابليون”، وقد نظمها شوقي في 84 بيتا:

هل درى المرمر ماذا تحته ـ من قُوى نفسٍ ومن خَلق متين.

عاد الاعتبار إلى عرابي، زعيم أول ثورة دستورية في مصر والعالم العربي. الاستهانة بذكاء الشعب، أي شعب، جريمة استعلاء، تثاقف استشراقي؛ فإحساس الشعوب لا يخطئ، يستعصي على هواة السياسة ومحترفيها، ويصطفي من يشاء، فما أكثر المعاول التي أسهمت في هدم سيرة جمال عبدالناصر وصورته، مبادرات ذاتية، أو مدفوعة، زادته جمالا يكتمل بنقصه. وليست الهزيمة في 1967 عارا، فالأهم هو الاعتراف بالخطأ، وإعلانه “سقوط دولة المخابرات”، وبناء جيش احترافي. وكان خروج الشعوب في مصر والعالم العربي وعواصم غير عربية، في يونيو 1967، رفضا لكسر هذا النموذج في الاستقلال الوطني.

أستعيد ثلاث سنوات عقب النكسة، فأجد ثراء دالا، أكثر من عشرة أفلام من كلاسيكيات السينما المصرية، صنعت بالتوازي مع إقامة حائط الصواريخ، ودوران آلات المصانع، دون شكوى من ارتفاع الأسعار “الزوجة الثانية”، “قنديل أم هاشم”، “يوميات نائب في الأرياف”، “المتمردون”، “البوسطجي”، “شيء من الخوف”، “الرجل الذي فقد ظله”، “ميرامار”، “غروب وشروق”، “المومياء”، “الأرض”.

خطيئة عبدالناصر أنه أسس دولة الرجل الواحد، يفكر وحده نيابة عن الشعب “المعلم”، ويحلم وينفذ وينتحر عملا وإخلاصا ونزاهة، فكان لابد أن يموت في الثانية والخمسين، وملامحه تتجاوز الثمانين، تاركا دولة يتوارث حكمها أفراد غير مؤهلين، يديرون دفتها، في غياب المؤسسات، باتجاه آخر، نحو كارثة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر