الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

في القطار

من يريد أن يرى بلدا فليسافر في قطاراته. الجلوس فيه يتيح سماع الناس والنظر إليهم وتخمين مقاصدهم بل ومحادثتهم.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/10/06، العدد: 10058، ص(24)]

لا أعرف من هو العبقري معدوم الإحساس والإنسانية الذي قرر أن يكون القطار فائق السرعة. جمال القطار أنه ليس فائق السرعة. كان القطار يسمح للصغار الذين بالكاد يعرفون العد من الواحد إلى العشرة أن يحسبوا عرباته حين يمر على مرآى منهم. وكان القطار أيضا يشعر الصغار بقدومه بإطلاق صفير من بعيد. وسرعته تتيح للأطفال أن يؤدّوا واجب التحية للركاب ويلوحون لهم. القطار واثق من نفسه ويعلن عن وجوده بزهو ولا يتسلل ويتسرب من بين أصابع المدن مثل الحافلات.

في كل الثقافات القطار مُلهم. والناس يؤنسنونه ويسألونه عن وجهته ويطلبون منه أشياء. عبد الوهاب يسأل “يا وابور قُللي رايح على فين” وياس خضر يطلب منه أن يصيح بقهر صيحة عشق. وأبناء الصعيد يفاتحونه الحديث ولا يقولون ماذا يريدون ويكتفون بمناداته “يا وابور الساعة اثناشر يا مقبل ع الصعيد”.

أيام الرق في جنوب الولايات المتحدة كان العبيد في مزارع القطن يرون فيه شيئا حرا منطلقا. غمسوا صيحته في موسيقاهم. تسمع القطار وهو يؤدّى بالهارمونيكا في الأغنيات وفي الموسيقى من الجاز إلى السول إلى البلوز.

من يريد أن يرى بلدا فليسافر في قطاراته. الجلوس فيه يتيح سماع الناس والنظر إليهم وتخمين مقاصدهم بل ومحادثتهم. في قطار في الأناضول رأيت عائلة فلاحين فتحوا صرة طعامهم وتناول الأطفال طعامهم بتسابق، شبعوا لكن ولدا إحدى عينيه زجاجية وبهذا لم يستطع أن يجاري إخوته وتسلل من الجمع وراح يبكي منعزلا وبصمت. وفي قطار في إنكلترا كان هناك صبي في الثالثة ينحب بحرقة ويرفض أي محاولة لمراضاته. سألت أباه عن سبب بكائه فقال الأب “لا أستطيع أن أرضيه، وليس بيدي أن أرضيه أصلا. هو يبكي لأن القطار ليس أحمر”.

فيه قد يجلس الناس قبالة بعضهم وفي بلادنا يعزمون بعضهم البعض لتقاسم ما أحضروه من شطائر وغير ذلك من طعام الرحلة. وفي مصر قد يعزمك أحد على قرص أسبرين أو حبوب علاج الضغط أو السكري. كل هذا والقطار يمضي على إيقاع منغوم يتكون من نوتتين واحدة قصيرة جدا والثانية قصيرة فقط يعيدهما ويعيدهما دون توقف. يعني “ـتُتُك تُتُك، تُتُك تُتُك”. وهي نوتات مسالمة تتيح للسامع أن يركّب عليها اسم الحبيب أو الحبيبة، البنت ستردد “أحمد أحمد” والشاب يهمس على وقع القطار “ليلى ليلى” وهذا بحد ذاته يفضي إلى التنهد وإغلاق العينين.

في بعض المحطات يكون هناك باعة يزحمون الشبابيك ليبيعوا ما لديهم للركاب. القطار محمل بالناس وبالتالي جالب زبائن. وفي مصر يصعد الباعة إلى القطار ويعرضون ما لديهم من حمص وحلويات وسجائر ومجلات عمرها سنين مقطوعة الأغلفة ولا يغادرون حتى يمشي القطار وتبلغ سرعته حدا معينا هم يعرفونه ليقفزوا دون أن يكسروا رقابهم.

قطار اليوم المتوحش لا يسمح بهذا، وليس فيه أصلا شباك يفتح ولا يطلق صفيرا ولا يمكن للأطفال أن يحسبوا عرباته.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر