الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

السبسي والسيسي أكثر من نقطة تحت السطر

التقارب التونسي المصري، يبدأ من إصلاح التركة الإخوانية الثقيلة التي نالت من أجزاء في أركان الدولة سواء في مصر أو في تونس.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/10/07، العدد: 10059، ص(8)]

ما بين السبسي والسيسي نقطة تحت السطر لفظا وإعرابا، وما بين الباجي قائد السبسي في تونس وعبدالفتاح السيسي في مصر، أكثر من نقطة تقاطع تحت سطر التحالف وفوق سطور القرب الجغرافي والتاريخي. إرهاصات التقارب التونسي المصري، مجسدا في السبسي والسيسي، تبدأ من إصلاح التركة الإخوانية الثقيلة التي نالت من أجزاء في أركان الدولة، سواء في مصر عبر الإخوان، أو في تونس عبر الترويكا.

الفرق بين كينونة الوجود النهضوي في توليفة الحكم بتونس بين الترويكا السابقة والرباعي الحالي، أنّ النهضة كانت تمثل سابقا محور السلطة، في حين أنّها اليوم تمثل الهامش الثانوي في شكل التحالف الحاكم على الأقل.

وفي الحالتين يبدو أننا أمام واقع “ما بعد الإخوان” في مصر و”ما بعد الترويكا” في تونس بما يمثّله هذا الواقع من ضرورة تامة لمراجعة الأخطاء الكبرى التي وقعت فيها حكومة الترويكا في معالجتها للقضايا الإقليمية، وفي تناولها للعمق العربي للدبلوماسية التونسية.

زيارة السبسي إلى القاهرة تشكل واحدة من أكثر الخطوات جرأة لجسر الهوة الدبلوماسية التي جدت بين الخارجية التونسية في عهد المنصف المرزوقي وبين النظام المصري ما بعد 30 يونيو. بيد أن حصر الزيارة في مفصل رفع العتب وإصلاح ذات البين، يحول دون تنزيل الزيارة في واقعها المهم للبلدين على حدّ سواء.

وفي البسط الإستراتيجي للزيارة تكمن ثلاث نقاط على الأقل، واحدة مرتبطة بالملف الليبي، وثانية متعلقة بملف الهجرة السرية، وثالثة متعلقة بضرورة إصلاح العلاقات التونسية الخليجية عبر البوابة المصرية.

ذلك أنّ المستقرئ لواقع الإرهاب في ليبيا يدرك أن البلاد في حالة خطيرة جدا قوامها “مأسسة الإرهاب وتهميش السلطة”، حيث أنّ التنظيمات التكفيرية باتت تسيطر على الجغرافيا، وتبسط هيمنتها على المرافق العمومية، وتستولي على مخازن السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل بشكل يجعلها تهدد كافة دول الجوار الليبي، وعلى رأسها مصر وتونس التي أعلنت مؤخرا عن احتجاز مجموعة من السيارات المفخخة ممهور عليها عبارة “داعش” على حدودها مع ليبيا.

تعزيز التعاون التونسي المصري لمكافحة الإرهاب في ليبيا يمتدد بمقتضى الضرر والضرورة على ملف مكافحة الهجرة السرية التي باتت تقض مضاجع كلّ الدول المطلة على البحر المتوسط، فأن تخسر تونس ومصر فلذات أكبادهما من الشباب المحترق بأوهام الهجرة، كارثة بشرية واقتصادية، وأن تتحمّل إيطاليا خاصة وباقي الدول الأوروبية الفاتورة الإنسانية والمادية لتدفق الملايين من الشباب الأفريقي على سواحلها، لهي مأساة بكل المقاييس والمعايير، وهنا يتنزل الاستحقاق الثاني لزيارة السبسي إلى مصر.

غير أنّ الزيارة تتعدى التنسيق الثنائي حيال الأوضاع في ليبيا التي عجزت عن إنجاح “الثورة” أو الإبقاء على “الدولة”، فأصبحت ساحة لـ”مأسسة التيارات التكفيرية” حيث تشير المصادر السياسية إلى نزوع تونسي لإصلاح العلاقات المتوترة مع دول الخليج من خلال البوابة المصريّة.

تدرك تونس أنّ الحالة الاقتصادية الحرجة التي تمر بها تستلزم رافعة مالية مهمة، وتستوجب دعما سياسيا وإستراتيجيا هاما لدى الداعمين الدوليين الذين أصبحوا يثيرون الشكوك حيال قدرة تونس على استرداد عافيتها الاقتصادية. هنا تراهن تونس على الرصيد الرمزي المهم الذي أصّلته مصر لدى العواصم الخليجية، مع إدراكها بأنّ المعونة الخليجية لا تعفي التونسيين من واجب الاستدرار الذاتي، ومن استحقاق بناء الاكتفاء الذاتي من ثروات البلاد واجتهاد العباد.

بين السيسي ابن المؤسسة العسكرية المصرية، والسبسي ابن المؤسسة الدبلوماسية التونسية أكثر من نقطة تحت السطر، أليست الدبلوماسية هي الجيش الناعم، والجيش هو الدبلوماسية القوية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر