الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

بوتين في سوريا.. أهداف الحرب الرابعة

روسيا تسعى إلى الاتكاء على نظام الأسد للتصالح مع الغرب، بهدف إدخال نفسها في أي معادلة للحل في المنطقة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/10/07، العدد: 10059، ص(9)]

تعكس المغامرة الروسية في سوريا طموحا مزدوجا من الكرملين؛ فمن ناحية يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إنقاذ حلفائه في الشرق الأوسط، ممثلين بالأخص في النظامين السوري والإيراني، بعدما بات واضحا أن مسار التطورات في المنطقة قد يؤدي مستقبلا إلى تجفيف أي أثر للوجود الروسي، لحساب الخصم الأميركي.

من ناحية ثانية يريد بوتين أن يعود إلى الساحة الدولية، من خلال التأكيد على أنه يملك إستراتيجية لمحاربة الإرهاب، ولن يمكنه فعل ذلك إلا من منطقة الشرق الأوسط، ملتقى القوى الدولية وحلبة الصراع الدبلوماسي العالمي، خصوصا بعدما صارت مصدرا للتهديدات الإرهابية على الصعيد الدولي.

خلال السنوات التي مضت انكفأت روسيا على نفسها، مع محاولات حثيثة للتحكم في محيطها الإقليمي بحثا عن زعامة مفقودة وإحياء لدور قديم، ظلت تسعى إلى بعثه منذ أن بدأ العالم يتوجه نحو أحادية القطبية بريادة الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما تجلى في الأزمة الأوكرانية، التي أرادتها موسكو متنفسا جديدا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه سقوط الحلم الإمبراطوري.

خلال 16 عاما خاضت روسيا أربع حروب، ثلاث منها كانت في سياق اختبار القوة الروسية في الداخل، والحفاظ على هيبة الدب الروسي في الجوار الإقليمي؛ وقد حصلت هذه الحروب في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا، وفي كل منها كانت موسكو تبذل قصارى جهودها من أجل بلورة إستراتيجية عسكرية تخولها نيل الاعتراف الدولي بنفوذها السياسي الإقليمي. أما الحرب الحالية في سوريا فهي الأولى التي تخوضها موسكو بعيدا عن محيطها، في محاولة لتجريب قدراتها على إرسال قوات عسكرية بعيدا عن حدودها والنجاح في المهمة المناطة بها.

في الواقع لا يشكل التدخل الروسي في سوريا العنوان الأول على عودة موسكو إلى المنطقة، فقد سبق ذلك الملف النووي الإيراني، الذي جاء بمثابة انتصار للسياسة الروسية في المنطقة، في أفق تحقيق انفتاح أكبر على حليفها الإيراني والاستفادة من قبضة الإمكانات التي يخولها الاتفاق. وقد شكل تمرير ذلك الاتفاق الخطوة الأولى على طريق استعادة الدور الروسي في المنطقة، لكن الترابط بين الملف الإيراني والملف السوري جعل موسكو تنظر إلى الاتفاق النووي كما لو كان مهرجانا صامتا ينقصه صخب الموسيقى.

بيد أن المهمة الروسية المعلنة، وهي قتال مسلحي الدولة الإسلامية وتدمير مخازن أسلحتها ومعاقل التدريب التابعة لها، سوف لن تكون مهمة سهلة كما تصورها مهندسو خطة التدخل في الكرملين؛ ذلك أن الجزء الأكبر من الأراضي التي تسيطر عليها “الدولة الإسلامية” توجد في العراق لا في سوريا، وهذا يعني تشتيت الجهود العسكرية الروسية وتوسيع جبهات القتال، مما قد يشكل مصدر استنزاف عسكري لقدراتها. وإذا وضعنا في الاعتبار فشل التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة قبل قرابة العام لمقاتلة الدولة الداعشية في مهمته، تكون المغامرة الروسية بمثابة لعبة عابثة، لكن طالما أنه لا عبث في السياسة بالنسبة إلى دولة كبرى كروسيا، فإنه يتعين البحث عن الأهداف التي تتوخاها موسكو من تلك المغامرة.

تعرف روسيا أن مغامرتها العسكرية في أفغانستان، في ثمانينات القرن الماضي، قد كلفتها الكثير؛ وربما يربط الروس بين خروج قواتهم من تلك المناطق وبين انهيار الإمبراطورية السوفييتية، لذلك فإن ذكرى المستنقع الأفغاني تظل حية في الذاكرة الروسية. وفي سوريا اليوم لن تكون موسكو أمام مقاتلين سوريين أو عراقيين، بل أمام مقاتلين من جنسيات مختلفة، وخصوصا من الشيشانيين الذين خبروا القتال مع الجيش الروسي طيلة سنوات مديدة في تسعينات القرن الماضي، وهذا ما سيزيد من تعقيد مهمة الجيش الروسي في المنطقة، بل من شأن ذلك أن يؤجج المزيد من الحرائق، بالنظر إلى التاريخ السابق لروسيا مع الجهاديين في أفغانستان والشيشان.

قد تسعى روسيا إلى الاتكاء على نظام بشار الأسد للتصالح مع الغرب، بهدف إدخال نفسها في أي معادلة للحل في المنطقة، تعطيها مكانة محترمة وتخرجها من عزلتها الدولية التي استمرت طويلا، وهذا سيناريو قد يكون واردا، وبشكل خاص إذا ربطنا ذلك مع الأخبار التي تؤكد بأن الطيران الروسي لا يقصف مواقع تابعة للدولة الإسلامية في العراق والشام، وإنما يحاول القيام بأدوار وهمية لدفع المنتظم الدولي إلى الاقتناع بأهمية إشراك موسكو في المعادلات المقبلة.

بالنسبة إلى بوتين، فإن نصف الطريق إلى تحقيق هذا الهدف قد حصل مع تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي أقر بأهمية التعاون مع الأطراف الأخرى بما فيها روسيا، أما النصف الباقي، فيمكن أن تتكفل به ضربات جوية وهمية تحاول ربح الوقت بانتظار الجلوس إلى الطاولة مع الكبار.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر