الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الغضب كالمقصّ في الأعصاب

الكثيرون اليوم ينفّسون عن غضبهم بممارسة أشكال مختلفة من العنف تتراوح بين المادي واللفظي، لأنهم لم يُجبلوا على كيفية التحكم في أعصابهم في المواقف الصعبة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/10/09، العدد: 10061، ص(21)]

قد نقرأ في العديد من المناسبات تقارير ودراسات علمية تحذر من الغضب ومن انعكاساته الوخيمة على صحتنا عموما، ومع ذلك نفشل في أغلب الأحيان في كيفية التعامل مع المواقف الصعبة التي نتعرض لها في حياتنا الأسرية والعملية، بأسلوب يحمينا من الأمراض التي يمكن أن تسببها كثرة الانفعالات، ويساهم في ديمومة علاقاتنا الاجتماعية.

وفي جميع الحالات التي نعبّر فيها عن امتعاضنا بطريقة الغليان الداخلي الصامت، أو الانفجار الخارجي العارم، فإنه لا مفر لأغلبنا من الإصابة بقرحة المعدة كأخف ضرر.

أما حين نفقد زمام السيطرة على أعصابنا وتحمر وجوهنا، وتتسع حدقة أعيننا وتتسارع دقات قلوبنا، استعدادا للشجار أو لتحطيم شيء ما حولنا، فصورتنا حتما ستكون بشعة.

ولو أتيحت لنا الفرصة لرؤية الحالة التي نحن عليها أثناء الغضب لخجلنا من بشاعة منظرنا.

ولكن الأسوأ من هذا كله ما يفعله الغضب بصحتنا، فهو يحفز أجسامنا على سحب الدهون من العضلات، لأن الحركات الانفعالية والصياح وما شابه ذلك، يحتاج إلى مزيد من الطاقة، وفي صورة عدم استخدام الجسم لتك الدهون، ينتهي بها المطاف إلى الالتصاق بجدران الشرايين، وقد تساهم تلك الرواسب في الإصابة بالأمراض.

وفي كل مرة ننفعل فيها يرتفع ضغط الدم لدينا، ويترك ندوبا في الأنسجة، وتساهم الإصابات الصغيرة التي تلحق بجدار الشرايين التاجية في الإصابة بأمراض القلب.

وفي نوبات الغضب الشديدة والمتكررة يمكن أن يفقد كثيرون توازنهم النفسي وحتى الفكري. وقد أكد الطب الحديث على أن الضغوط النفسية والتوترات وحالات القلق التي تنجر عن ذلك، تلعب دور المقصات في أعصابنا، وفي أجهزتنا العضوية على حد السواء.

أما حجم الدمار الذي نخلفه في نفسيات غيرنا فليس هو أيضا بالهين، فغضبنا يمكن أن يدفعنا إلى استعمال العنف المادي أو التفوه بكلمات معيبة ومهينة عن قصد أو غير قصد، وفعلها واحد بحق الشريك أو الصديق أو الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقات ودية، وهذا بدوره يخلف جراحا نفسية غائرة في نفوسهم ومن الصعب عليهم نسيانها، بل ستظل ذكراها حاجزا كبيرا بينهم وبيننا حتى وإن اعتذرنا عما بدر منا.

وللأسف أغلبنا يجد بداخله أكثر من مبرر لحنقه وغيظه وإن كان ذلك في غالب الأحيان لسبب تافه، أو جراء تصرف ربما عفوي من أقرب الناس إليه.

ومعظمنا يكون لديه ردة غضب سريعة، ومن دون أن يعطي لنفسه الفرصة للتفكير فيما حدث بموضوعية، ويسلط أحكامه على الآخرين بتسرع.

والأهم من هذا كله أن غضبه لن يجعله يشعره بالارتياح، كما لن يحل مشاكله أو يغيّر من طباع الآخرين، بل سيزيد الأمور تعقيدا، وقد يقلب حياته رأسا على عقب.

وللأسف الكثيرون اليوم ينفّسون عن غضبهم بممارسة أشكال مختلفة من العنف تتراوح بين المادي واللفظي، لأنهم لم يُجبلوا على كيفية التحكم في أعصابهم في المواقف الصعبة، ولم يتعلموا طرقا أخرى غير عقاب الذات أو تجريم الآخر.

ولكن مهما يكن من أمر، فالعنف لا يولد إلا العنف، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يؤدي إلى العداء، وإلا لكان كل زوجين من ألد الأعداء على حد تعبير أبو الهند مهاتما غاندي.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر