الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أين الديك؟

كم نفتقد اليوم أولئك المحتالين الظرفاء بعد أن رفع المحتالون الجدد برقع الحياء من صغارهم حتى كبريات الشركات في العالم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/10/09، العدد: 10061، ص(24)]

قال لي مرة “هذا كرسي الحاج فاضل، الرجل الذي أنشأ حكومة بمفرده، بعد أن كان مجرّد رئيس بلدية، واستقلّ ببعض أقاليم الشرق، من عانة العراقية إلى جرابلس السورية بعد هرب الأتراك في شتاء العام 1918”، وقال إن هذه الكراسي هي التي كان الحاج فاضل يعقد اجتماعات حكومته عليها، وإنها مصنوعة من قش هندي عليه رموز فرعونية، وإنها مطليّة بمادة سريّة تمنع التلف، مكنتها من البقاء بحالة جيدة طيلة السبعين سنة الماضية.

لم يتمكن من خداعي في تلك المرة، ولكنه عاد واتصل بي ثانية، وقال إنه قد وصلته مؤخرا، قطعة فريدة، فذهبت لأرى، فتحدث بهمس وتحفّظ، وأخرج من تحت الخزانة، جرة بيضاء، وقال “هذه قلّة أمويّة، أعرفك تهتم بـ(هاشم) بن عبدالملك، هذه من عهده”، لكني لم أشترها، فأخرج من صندوق عرس والدته الخشبي، دلّة قهوة مرّة، وقال هل تذكر أغنية “يادكّة المحبوب دكّة خزعلية؟”، قلت: طبعا، قال “هذه الدلّة من صناعة (خزعل) ذاته، انظر كيف دقّ عليها نقوشه”، فعرفت أنها خرافاته وفهمه الخاص الذي لا علاقة له بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

ومن كثرة محاولاته لاستدراجي، صرنا صديقين، نوعا ما، فدعاني مرة، لأخرج معه في رحلة تنقيب، في البادية، وفي تلك الرحلة، أخرج من صندوق السيارة العتيقة ديكا، وقال إنه قد درّبه بمساعدة أحد الأولياء الصالحين على العثور على اللقى، وما إن يفلته حتى ينكت الأرض هنا وهناك، وسرعان ما سيعثر على الكنوز، ولكننا قبل أن نفلت الديك، أوقدنا نارا بعد أن جمعنا الحطب، وصنعنا شايا ثقيلا، لزوم التفكير والتدبير، ثم أطلق الديك بعد أن تمتم قرب أذنه بكلمات لا يعلمها إلا الله، ذهب الديك ولم يعد، وتوارى في انكسار الشمس خلف الجبل.

وفي المرة التالية أحضر لي سجادة مهترئة، وقال إنها شيرازية، وإنه مستعد لبيعها بألفي دولار، فاشتريتها منه، خجلا، بما يعادل عشرين دولارا، وكان راضيا بها وأخذ يقبلّ العملة من وجهها وقفاها.

غبت عنه سنة واحدة فقط، لأجده قد صار متدينا، فرافقته إلى “مولد نبوي” كان ينوي حضوره، وهناك أخذ يضرب على الدفّ، وينادي بحرقة على الباز الأشهب وأبي العَلَمين، اللذين لم نسمع لهما صوتا في الخراب الكبير هذه السنوات، وحين انتهى، خرجنا نتمشى في طريق النهر، قال لي “جرّبت سبع صنايع، ولكن البخت ضائع، فقلت لابدّ من التوبة، وها أنا أتعهد الآن أمامك وأمام رب العالمين، بأني سأتوقف عن كل ما كنت أفعله، لا آثار ولا جلا جلا، ولكن إذا لم يفرجها الله عليّ خلال سنة، فسأبيع هذه التوبة بقشرة بصل”.

من حينها لم أعد أسمع أخباره، فلعلّه ما زال يبحث في البادية عن ديكه المفقود، وكم نفتقد اليوم أولئك المحتالين الظرفاء، بعد أن رفع المحتالون الجدد برقع الحياء، من صغارهم حتى كبريات الشركات في العالم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر