الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

أسبانيا أمام امتحان الوحدة الوطنية

الدستور الأسباني عزز الشعور بالانفصال في الوقت الذي أراد أن يؤسس للدولة الوطنية. ففي الوقت الذي فتح المجال واسعا أمام التعددية العرقية والثقافية واللغوية، أضعف وزن الهوية الوطنية الجامعة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/10/10، العدد: 10062، ص(9)]

دخلت أسبانيا منذ الانتخابات المحلية التي أجريت في إقليم كاتالونيا نهاية الشهر الماضي، ومنحت فوزا ملحوظا، وإن لم يكن كاسحا لدعاة الاستقلال، منعطفا جديدا في تاريخها الحديث، الطابع المميز له يتصل بإشهار سيف التهديدات الانفصالية في وجه الدولة المركزية من اليوم فصاعدا. فقد حصلت قائمة “جميعا من أجل نعم”، التي تضم عددا من الهيئات السياسية الداعية إلى الانفصال، على 62 مقعدا في برلمان الإقليم، من أصل 135 مقعدا، بينما حصلت قائمة “الوحدة الشعبية” الانفصالية على عشرة مقاعد منفردة، ليكون عدد المقاعد التي أحرزها دعاة الانفصال بشكل عام هو 72 مقعدا، ما يمثل 47 في المئة من أصوات الناخبين.

بعثت تلك النتائج، التي لم تثر أي شعور انتقامي بالنصر الانتخابي عدا وسط الأحزاب الانفصالية ومؤيديها داخل إقليم كاتالونيا بينما شكلت مأتما في باقي التراب الأسباني، مخاوف قديمة كانت كامنة في جوف الديمقراطية الأسبانية الهشة، منذ مرحلة الانتقال الديمقراطي في النصف الثاني من السبعينات، بعد رحيل الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو، الذي كان الأسبان يلقبونه بـ”الكاوديو”، وهي عبارة تعني الزعيم المطلق أو الأوحد. لكن هذه المخاوف لا ترتبط فحسب بمستقبل الوحدة الترابية والسياسية لأسبانيا، بل أيضا بمستقبلها داخل الاتحاد الأوروبي، إذ من شأن تحقق سيناريو انفصال الإقليم الكاتالاني أن يضعف الدولة المركزية، بمثل ما سيضعف، بالتأكيد، الدولة الصغيرة في الإقليم التي لن يتعدى تعداد سكانها السبعة ملايين نسمة، نسبة عالية منهم تعود إلى المهاجرين.

هذا ما حاول العاهل الأسباني فيليبي السادس أن يشرحه للأوروبيين الأربعاء الماضي، في أول خطاب له أمام البرلمان الأوروبي، حينما أكد أن لا وجود لأسبانيا من دون الاتحاد، كما لا وجود للاتحاد من دون أسبانيا، مؤكدا في نفس الوقت ضرورة الاستمرار في الحوار بين الفرقاء في الداخل، على قاعدة الديمقراطية الأسبانية ومبدأ التعايش المشترك. وهو نفس الموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء اليميني ماريانو راخوي، في أول رد فعل له على نتائج الانتخابات المحلية في إقليم كاتالونيا، حين أبدى استعداده للحوار مع الانفصاليين، ولكن على أساس اعتبار الوحدة الوطنية لكامل أسبانيا خطا أحمر.

بيد أن المشكلة التي تواجهها الدولة الأسبانية لا تخص إقليم كاتالونيا وحده، بل هناك أقاليم أخرى منسوب الشعور بالاستقلالية لديها عال جدا، مثل إقليم الباسك وإقليم غاليسيا. وقد خاضت أسبانيا طوال عقود حروبا كبرى مع حركة إيتا الباسكية التي كانت تدعو إلى انفصال الإقليم بشكل نهائي عن أسبانيا، متوسلة إلى ذلك بالسلاح والتفجيرات، ثم نجحت أخيرا في التوصل إلى اتفاق مشترك لرفض العنف؛ لكن التهديدات لم تزل بشكل مطلق، والانتخابات الكاتالانية الأخيرة ستكون بمثابة اختبار لقدرة الدولة المركزية على ضمان التقيد بالوحدة الوطنية بالنسبة إلى قوى الانفصال، كما ستكون اختبارا لهذه القوى بشأن قدرتها على الضغط على الدولة المركزية لنيل الاستقلال، ومكمن التخوف لدى السياسيين الأسبان يوجد في احتمالات انتقال عدوى ما حصل في كاتالونيا إلى باقي الأقاليم، لتكون مواجهات الانفصال بمثابة الضربة المميتة للوحدة الوطنية الأسبانية، التي لا يزال كثر يشككون في العناصر المكونة لها، وفي قدرة تلك العناصر، إن وجدت، على الإقناع.

تأسس مفهوم الأمة الأسبانية في محطتين تاريخيتين بارزتين؛ المحطة الأولى، وهي التأسيسية، ارتبطت بالرغبة المشتركة لدى مسيحيي شبه الجزيرة الإيبيرية في التوحد والقفز على الخلافات من أجل محاربة المسلمين واليهود الذين كانوا قد تركزوا في بقعة وحيدة محصنة، بعد أن سقطت جميع معاقل الأندلس، وهي غرناطة. وقد أدت تلك الوحدة في إطار الأمة “الهسبانية”، كما هو معروف، إلى طرد المسلمين واليهود عام 1492. أما المحطة الثانية فقد حصلت في النصف الأول من القرن العشرين، في مواجهة دكتاتورية فرانكو، بعد الحرب الأهلية التي دامت قرابة أربع سنوات.

في المحطة الأولى كان البعد المؤسس للوحدة يرتكز على الدين بشكل أساسي، وهو المسيحية الكاثوليكية، أما في المحطة الثانية فقد استند مفهوم الوحدة على الانتماء إلى وطن مشترك، في إطار قومية أسبانية جامعة، وسط القوميات الأوروبية الجديدة، بعد أن لم يعد الدين في أوروبا يمنح أي مشروعية للانتماء، وبات المواطن المرتبط بالدولة هو وحدة الانتماء، بدل الفرد المؤمن المرتبط بالكنيسة. غير أن بناء الدولة الحديثة في أسبانيا، بعد مرحلة الانتقال الديمقراطي عام 1979، لم يحلّ مشكلة التعايش بين القوميات الموجودة فوق التراب الأسباني، بقدر ما زاد في تعقيدها. كيف ذلك؟

الباحث الأسباني سيسار ألونسو دي لوس ريوس، نشر في العام 1994 كتابا تحت عنوان “لو سقطت أسبانيا: هجوم القوميات على الدولة”، وفيه يشرح كيف أن الدستور الأسباني عزز الشعور بالانفصال في الوقت الذي أراد أن يؤسس للدولة الوطنية. ففي الوقت الذي فتح المجال واسعا أمام التعددية العرقية والثقافية واللغوية، أضعف وزن الهوية الوطنية الجامعة؛ وقد استغلت التنظيمات الانفصالية منذ تلك الفترة هذه الامتيازات التي يمنحها الدستور للأقاليم من أجل خدمة الثقافات المحلية بدل الثقافة الوطنية، وتعزيز اللغات المحلية، الباسكية والكاتالانية والغاليسية، بدل الالتفاف حول اللغة الأسبانية الأم، التي لم تعد سوى لغة للتواصل مع المركز. ووصلت النزعة الانفصالية في إقليم كاتالونيا حدا أصبحت معه هوية الكاتالانيين مناقضة لهوية الأسبان، بل صار الكاتالانيون ينظرون إلى مسمى”الثقافة الوطنية” بوصفها سياسة للهيمنة، الأمر الذي عبر عنه خورخي بوخول، رئيس الحكومة المحلية لكاتالونيا بين 1980 و2003، عندما قال مرة إن سرفانتس لا يعني له شيئا، في إشارة إلى الكاتب الأسباني صاحب رواية “دون كيشوط” الشهيرة، الذي يعد رمزا وطنيا جامعا في أسبانيا، ويعتبر الطعن فيه بمثابة الطعن في هوية الأسبان وتاريخهم بشكل عام، لأنه يكاد يكون شخصية مقدسة في التراث الأسباني.

الأمر المؤكد أن استقلال كاتالونيا لن يكون واردا، حتى مع التهديدات المتوالية من طرف المسؤولين في الأحزاب الانفصالية داخل الإقليم، بقدر ما سيكون وسيلة لإيجاد مرتكزات جديدة للتفاوض بين المركز والأطراف حول الصلاحيات المخولة للحكومات المحلية، وإعادة ترتيب البيت الداخلي للبلاد، والبحث مجددا عما يعطي لمفهوم “الأمة الأسبانية” التعريف اللائق به. وقد استبق المؤرخ الأسباني خوصي ألفاريز خونكو، في مقال مطول نشره قبل أسبوع، هذا النقاش، إذ توصل إلى أنه من الصعب الاتفاق حول مفهوم الأمة، في السياق الأوروبي، “وسط آلاف المحاولات”، وتساءل هل ما يشكل الأمة هو العرق أم الدين أم اللغة (دون احتساب اللهجات المحلية، حسب قوله)، أم الانتماء إلى أرض مشتركة؟ قبل أن ينتهي إلى الدفاع عن التصور الذي يعتبر الأمة “مجموعة من الأفراد الذين يؤمنون بأنهم يتقاسمون خصائص ثقافية معينة ويعيشون فوق أرض يعتبرونها أرضهم”، وهذا التعريف في حد ذاته من شأنه أن يكون مبررا للنزعة الانفصالية لدى الأقاليم في أسبانيا، ليظهر بأن هذه الأخيرة لم تتجاوز بعد مخاطر الانفصال، الذي لا يجد أصوله في دعوات التنظيمات السياسية الحزبية، بل كذلك في ارتباط النخب حيال قضايا القومية والدولة المركزية والحقوق التاريخية والثقافية للجماعات.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر