الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الألبوم في جيبي

الناس تحمل ألبوماتها في جيوبها ويشهرونها في وجهك وأنت في مقهى تريد أن تخلو إلى نفسك وتحتسي قهوتك.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/10/13، العدد: 10065، ص(24)]

في زمن أجمل من هذا الذي نحن فيه كان ألبوم العائلة شيئا يمكن تلافيه. لم يكن مستترا وكان له حجم وكتلة وهيئة ألبوم وليس مموّها على شكل راديو أو هاتف. يخرجونه من مكمنه ويحملونه بخشوع ويفردون صفحاته بإجلال وعناية، ففيه صور الأجداد والأحفاد ويحمل ذكريات ما لا يقل عن ثلاثة أجيال. وكان موعد عرضه يقع بعد العشاء وبعد تناول الحلويات، أي مع القهوة الأخيرة.

هناك وقت كاف للتملّص من وجبة الألبوم. تستأذن وتنصرف إن كنت تنفر من سماجة صور العائلة والابتسامات المعلبة التي عمرها دهور، وهي مفتعلة أصلا. ولأن الشر يدعو إلى المزيد من الشر فإن الألبوم يفضي إلى المزيد من الصور من رحلة إلى قبرص أو عرس في كركوك. يعني صورا حديثة لم تجد طريقها إلى الأرشفة بعد.

هذا في الزمن الجميل الذي ودعناه بحسرة. الآن لا مفر من الألبوم. الناس تحمل ألبوماتها في جيوبها ويشهرونها في وجهك وأنت في مقهى تريد أن تخلو إلى نفسك وتحتسي قهوتك وأنت دفآن ومتأمل. يقفز أحد معارفك في وجهك ويسحب كرسيا ويخرج تلفونه. التلفون لم يعد تلفونا فهو ألبوم صور وهو كاميرا أيضا.

تصوروا مناسيب الشر وأين وصلت؛ الجهاز الذي يلتقط الصور هو نفسه ألبوم تلك الصور بل ويبثها حول العالم. يعني صور خطبة بشرى لم تعد محصورة في البيت لا يراها إلا من سوّلت له نفسه البقاء بعد العشاء والحلويات. صور خطوبة بشرى تأتيك إلى المقهى أو وأنت تستريح على مصطبة في حديقة عامة أو وأنت تنتظر الأوتوبيس. وإذا كنت من أصحاب الهواتف الذكية ستصلك صور الخطوبة وأنت في ساحة الطرف الأغر أو في المتحف البريطاني.

وبسبب يسر التقاط الصور وسهولة بثها صارت الناس توثق لكل شيء. ويصبح ابن خالتك أو زوجة أخيك وكالة أنباء تبث صورا كل دقيقة. كانت خالتك عزيزة والآن صارت رويترز.

ولأن الناس تحمل معها هاتفها كل يوم وفي الحل والترحال وفي المواصلات العامة والمقاهي والمكاتب، فإنها تحمل كاميرا أيضا. والهاتف اليوم يلتقط الصور وقريبا الساعة تحمص الخبز وإبريق الشاي يصلح الأحذية. كل شيء يقوم به أي شيء. وبمناسبة وجود كاميرا جاهزة وفي المتناول تلتقط الصور بمناسبة وبدون مناسبة.

حين يقال لك هذه صورة خالد تتوقع أن يكون ظهوره في مناسبة تستحق التصوير. تتوقع أن ترى خالد وهو يتسلم جائزة نوبل للفيزياء، أو ترى خالد يغرس علم بلاده على قمة جبل إيفرست أو على الأقل وهو يتزوج. أبدا، لا يوجد شيء من هذا. سترى صورة خالد وهو يستعرض رضوضا أصيب بها إذ انقلبت به دراجته أو وهو يملأ خزان سيارته بالوقود.

في زمن النكد هذا صرنا نستقل الحافلة متوجسين لئلا نرى أحدا نعرفه يحمل في جيبه ألبوما يضم عشرة آلاف صورة. في زمن البهجة لم يكن الألبوم يتسع لأكثر من خمسين صورة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر