الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

رجل قصير القامة أبيض الشعر

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/21، العدد: 9355، ص(14)]

فارس الخوري الذي يتحدّث عنه الطنطاوي كان مسيحياً سوريا، ولكنه كان آيةً عربية إسلامية مسيحية إنسانية بحق.

كتب أستاذنا العالم والأديب الدمشقي الراحل علي الطنطاوي، في مجلة الرسالة القاهرية في العام 1947 راوياً بأسلوبه الخاص إحدى قصص مشاكسات مثقفي ذلك الزمان قال: "أقيمت في ردهة المجمع العلمي العربي في دمشق من نحو عشرين سنة (العام 1929) حفلة لتكريم حافظ إبراهيم، حضرتها أنا وأخي سعيد الأفغاني، وكنا يومئذ في مطلع الشباب، نقصد مثل هذه الحفلات لننتقد الخطباء، ونبتغي لهم المعايب، فمن لم نعب فكرته عِبنا أسلوبه، ومن لم ننتقص إنشاءه انتقصنا إلقاءه، وكان فيمن خطب رجل قصير القامة عظيم الهامة، أبيض الشعر ألقى قصيدة لا أزال أذكر منها:

ليالي التصابي قد جفاني حبورُها

ولـمّـتي السـوداءُ أسـفـرَ نـورُهــا

تذكرتُ أيامَ السرور التي مـضت

فياليتَ شعري هل يعودُ سرورها

وكادت صروف الدهر تطوي صحائفي

وهل بعد هـذا الطـيّ يُرجـى نشورُهــا؟

وكان صوته قوياً على انخفاض، مدوياً على وضوح، كأن له عشرة أصداء تتكرر معه، فتحس به يأخذك من أطرافك ويأتي عليك من الأقطار الأربعة، فتسمعه بأذنيك وقلبك وجوارحك، بل تكاد يدك تلمس فيه شيئاً، على صحة في المخارج، وضبط في الأداء، وقوّة في النبرات، وثبات في المحطات، واعتداد في النفس عجيب، فصفقنا له حتى احمرّت منا الأكف!! وقلت لسعيد: من هذا؟ قال: هذا فارس الخوري".

وفارس الخوري الذي يتحدّث عنه الطنطاوي كان مسيحياً سوريا، ولكنه كان آيةً عربية إسلامية مسيحية إنسانية بحق، فحين أبلغه الجنرال غورو المندوب الفرنسي، بأن فرنسا جاءت إلى سوريا لحماية مسيحيي الشرق، سخر الخوري من كلامه وقصد الجامع الأموي في يوم جمعة، وصعد إلى منبره وقال: إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فحمله أهل الشام على أكتافهم وطافوا به أحياء دمشق القديمة؛ وحين أقيمت لغورو مأدبة، حضرها الوزراء وعدد من وجهاء دمشق ومن بينهم فارس الخوري، ويحكيها الخوري هكذا: "دعانا لتناول الغداء معه في قصر ناظم باشا، وهو أحد القصور التي كان يشغلها الملك فيصل، وفي أوائل الغداء أخذ الجنرال يثني على جمال دمشق ومناظرها الشعرية إلى أن وصل إلى هذا القصر، فأجال نظره في القاعة التي كنا فيها وكأنه أراد التهكم والاستخفاف بالملك فيصل فقال: "أهذا هو القصر الذي كان يسكنه الملك فيصل؟" فأجبته: "نعم وكان أول من أنشأه الوالي ناظم باشا واحتله بعده السفاح جمال باشا أثناء الحرب العامة وفي نفس الغرفة تناولنا الطعام مع ناظم باشا ومع جمال باشا ومع المارشال اللبني ومع الملك فيصل والآن معكم… وانظروا إلى تصرفات القدر، فقد رحلوا جميعهم وبقي القصر وبقينا نحن!".

واليوم وحتى خريف العام 2013 يسكن قصر المهاجرين هذا وفي قصور أخرى غيره، شخصٌ يدّعي أنه حامي المسيحيين والأقليات، وأنه يحارب الإرهاب الإسلامي، وأنه حارس قلب العروبة النابض… ولكنه لم يتجرأ على رفض الانتداب الإيراني على بلاده، ولم يقل لحسن نصرالله إن المزارات الشيعية في سوريا ليست بحاجة إلى من يحميها، وبدلاً من صعود منبر الجامع الأموي قام بتدمير أكثر من ألفي جامع في سوريا بمآذنها ومنابرها وقبابها، ولم يسمع عن وليمة الجنرال وجواب فارس الخوري.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر