الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الصامت المنسي في المتاهة العراقية

لا أحد من السياسيين العراقيين ورجال الدين لديه الجرأة ليعطي رقما دقيقا حول عدد هؤلاء الضحايا الصامتين المعذبين في بلادهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/10/16، العدد: 10068، ص(21)]

مأساة أطفال العراق أكبر من أن تختزلها الأرقام الجوفاء أو تتحدث عنها، لأن الأرقام عاجزة عن استبطان أوجاع المضطهدين والجياع والمشردين واليتامى، وكل الذين يعانون الأمرّين تحت رحمة من لا يرحم.

ومع ذلك فلا أحد من الذين يتسيّدون اليوم على العراق يشعر بحجم معاناتهم، أو يتحدث بالنيابة عنهم، ويُسمع صدى أصواتهم للعالم حتى ينتشلهم من اليأس الذي يحيط بهم من كل صوب وحدب، ويحطم آمالهم ومستقبلهم.

لا أحد من السياسيين العراقيين ورجال الدين لديه الجرأة ليعطي رقما دقيقا حول عدد هؤلاء الضحايا الصامتين المعذبين في بلادهم.

لقد أصبح بؤس الأطفال وشقاؤهم وحرمانهم من تحصيل الحاصل، بل هو جزء لا يتجزأ من مشاهد العنف والفوضى العارمة التي تتصدر المشهد العام في بلاد الرافدين. وفي المشهد الذي بات معتادا في جل المدن والقرى والأرياف العراقية، نرى أطفالا صغارا يتسولون، ويمارسون أعمالا شاقة لا تتناسب مع بنيتهم الجسدية، بسبب الفقر وفقدان العائل، والآلاف الآخرين رمت بهم ظروف الحياة القاسية بيد الجماعات الإرهابية التي تستخدمهم كمقاتلين ومفجرين انتحاريين ودروع بشرية.

ويتعرض أبناء الأقليات الدينية والعرقية بسبب حرب التصفية التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات الإيرانية إلى إبادة جماعية، فبعد أن كانوا يمثلون حوالي 14 بالمئة من تعداد البلاد أصبحوا الآن فريسة لحملة من العنف الديني والعرقي والجنائي، مما أدى إلى نزوح أكثر من مليونين منهم، فيما يتواصل صمت الحكومة العاجزة عن توفير الحماية لهم.

وعلى الرغم من أن الدستور العراقي يعترف بعديد الديانات ويسمح لمعتنقيها بالتعبد، ولهم أيضا قانون للأحوال الشخصية خاص بهم منذ عهد رئيس الوزراء الراحل عبدالكريم قاسم ولكنهم مع ذلك يتعرضون للكثير من الظلم والحيف وممنوعون من ممارسة عقائدهم بكل حرية.

للأسف العراق، بشكل عام، أصبح أحد أسوأ الأماكن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا غير الآمنة بالنسبة إلى الأطفال وفي مجال حقوق الإنسان بصفة عامة، إذ يعاني فيه نحو 3.5 مليون طفل من الفقر و1.5 مليون طفل تحت سن الخامسة من سوء التغذية بينما يموت 100 رضيع في البلاد يوميا.

وليس الأطفال وحدهم من يعانون، فحال المجتمع العراقي من بعضه، فمع اتساع نفوذ التيارات الإسلامية وتسلط الطائفية التابعة لإيران في الأعوام الأخيرة إضافة إلى غوغاء الفتاوى الدينية، انعدمت فرص النساء في لعب أي دور داخل المجتمع، وبتن حبيسات المنازل عاجزات حتى عن إعالة أنفسهن وأسرهن.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن واحدا من بين أربعة عراقيين يحتاج إلى مساعدة إنسانية عاجلة وأن نصف السكان يحتاجون إلى طعام في بلد يعيش فيه ما يقرب من ربع المواطنين تحت خط الفقر، وهو ما يعادل دولارين يوميا للفرد.

وأمام هذا الوضع المزري كم تبدو الوعود التي قطعتها حكومة حيدر العبادي بشأن الإصلاحات فارغة من أي معنى، ليس بسبب عدم قدرته على الخروج عن بيت الطاعة الإيراني، وإنما بسبب حال البلاد التي حولتها الميليشيات إلى ساحة للخلافات والكراهية بالصورة التي تجعل من حلم العديد من العراقيين في العيش بسلام ضربا من الخيال.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر