الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

نحن المكشوفين

العمل على الذائقة العامة في كل شيء رسالة إنسانية حضارية لا يمكن الفرار منها، في المأكل والملبس والمشرب، في المرئي والمسموع والمقروء، في التعاملات والتفكير والأحلام.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/10/16، العدد: 10068، ص(24)]

كنت أزور طبيبا عربيا يعيش في إحدى المدن الأوروبية بين الوقت والآخر، هو لطيف ومحترم، وشاطر في مهنته، لا يهمه أي مرض، كل علّة لها عنده تبرير إيجابي وسريع، وبعد عدة زيارات، اكتشفت ما سبب تلك الإيجابية، ولماذا يحرص الطبيب على لفلفة الحديث عن الأمراض والبرد وغيره، واتضح لي أنه يهدف إلى كسب الوقت للقفز إلى ما بعد المعاينة، وهو وقت يسترخي فيه، ويقرأ عليّ من شعره، وبالطبع سيكون عليّ أن أستمع وأهزّ رأسي معجبا مبتسما مردّدا معه آخر حرف في نهاية كل مقطع.

لكن المشكلة لم تكن في وقت الاستماع، بل في نوعية المسموع، تلك الروائع المكسّرة لغة ووزنا وقافية وصورا، والتي حفظتها عن ظهر قلب، من كثرة ما سمعتها من طبيبي، فهو علاوة على موهبته، ضعيف الذاكرة، وينسى أنه كان قد قرأ لي القصيدة ذاتها عشر مرات قبل هذه المرة، ويمكنني أن أنتهب من شعر طبيب القلوب الولهان هذا المقطع مراعاة لحساسية القراء “نسيتيني؟ نسيتيني؟ وكعظم الكلب رميتيني؟ حتى لو نسيتيني، عندي غيركِ أَلفَينِ”.

بعض الناس، أو كثيرٌ منهم، يعتقد أنه قد باض بيضة فريدة، فيصدع رؤوس الخلق بها، ويطنطن ويزمّر على الملأ، وكأنها يتيمة الدهر وبدعة الزمان، ولو عرف أكثر، لتوقّف عن تقدير ذاته أكثر مما تستحق، ولقال ما قاله المتنبي “أريكَ الرضا لو أخفت النفسُ خافيا/ وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا”.

بينما يبدو اللحاق بالأحدث والأكثر حداثة، عملا حقيقيا وضروريا في الوقت ذاته، وكما قالت أسطورة الأناقة كوكو شانيل “المرأة الأنيقة تجعلك غير مهتم بالنظر إلى ثيابها، بل إلى وجهها وهو محاط بكل تلك الأشياء الجميلة، بينما تجعلك الأزياء القبيحة لا تنظر إلى وجه المرأة، بل إنك ستركّز فقط على الأشياء القبيحة حولها”، وما دمنا لا نواكب آخر ما يتوصل إليه العقل البشري، فسنكون مكشوفين تماما من غير تلك المبتكرات الجميلة.

العالم مفتوح على الجديد، ونحن بحاجة إليه، للتخلص أولا من إرث ثقيل يعلوه الركام والغبار والسخام، وثانيا كي نكون أبناء اللحظة، لا على هامشها، كما يحلو لكثير من مثقفينا القول، لتبرير عجزهم عن دخول الحياة العامة كقادة رأي، إذ يحق لنا أن نسأل اليوم، الطبقة الفكرية والأدبية والإعلامية والفنية ورجال الدين وغيرهم، لماذا يبدو الناس وكأنهم يعيشون في الجاهلية وعصور الظلام؟ ألم تسمعوا بالمثل القائل “إنك لا تبشّر بين المؤمنين، بل بين الذين يحتاجون إلى التبشير؟”، لماذا يبدو تأثيركم السابق على الناس أقل ثباتا من مطر الأمس على صحراء، وتظهرون وكأنكم مصدومون مما يحدث ومما يبدر عن المجتمعات؟

العمل على الذائقة العامة في كل شيء رسالة إنسانية حضارية لا يمكن الفرار منها، في المأكل والملبس والمشرب، في المرئي والمسموع والمقروء، في التعاملات والتفكير والأحلام، وإلا فسنبقى نسأل الأمم المتطورة مع صاحبنا الطبيب الطيّب “نسيتيني؟ نسيتيني؟ وكعظم الكلب رميتيني؟”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر