السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

داعش... الغرب ضد الغرب في الشرق

ظاهرة التحاق الغربيين بجماعات العنف الديني الإسلامي تعكس حالة الانقسام داخل هذه المجتمعات، فقد أصبح الغرب يقاتل نفسه في الشرق، ويثور على منظومة القيم والسياسات الدينية المتبعة هنالك.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/10/17، العدد: 10069، ص(9)]

عندما وضع صامويل هانتغنتون نظريته حول صدام الحضارات قبل أعوام عدة، فكر في ذلك الصدام وفق هندسة واضحة، ورسم للحضارات والأديان حدودا جلية في ذهنه، بحيث يمكن رؤيتها من الطائرة على علو شاهق، وبالتالي فهو وصل إلى خلاصة سهلة بناء على مقدمات يسيرة تنأى عن التعقيد، وتلك الخلاصة هي أن على الغرب أن يغلق أبوابه على نفسه وأن يحصن حدوده.

ويمكن القول اليوم بأن هانتنغتون عندما فكر في تلك النظرية وهو في القرن العشرين، فعل ذلك بعقلية رجل ينتمي إلى القرون الوسطى، عندما كانت الإمبراطوريات تعزل نفسها داخل أسوار محصنة، وتغادرها حين تريد خوض حروب من أجل توسيع رقعتها أو نشر دينها، كما كان يحصل أيام الحروب الصليبية، شريطة أن نفهم هذه الحروب على أنها كانت تجري بدرجة أساسية بين بلدان أوروبا المسيحية، قبل أن يصبح الشرق وجهة مفضلة لتلافي المواجهات بين الأشقاء.

في العام 2002 أُثير اسم البريطاني ريتشارد ريد كرقم أساسي في معادلة التمدد المتطرف لتنظيم القاعدة داخل المجتمعات الغربية، فقد شكل ريد عنوانا لغزو تنظيم أسامة بن لادن للغرب من خلال استقطاب مقاتلين من أبنائه، وكان ذلك الشاب الذي لم يتخط آنذاك عتبة الثلاثين من العمر واحدا من شبان قليلين جدا نجح تنظيم القاعدة في تجنيدهم، بينهم الشاب الفرنسي روبير ريشار أنطوان، الذي نشرت عنه في العام 2009 كتابا تحت عنوان”سلفي فرنسي في المغرب: رحلة الأمير التائه من بيشاور إلى طنجة”، في محاولة لتفكيك تلك الظاهرة الجديدة آنذاك، والمتمثلة في التحاق شبان أوروبيين حديثي الإسلام بالجماعات المتطرفة، وخاصة تنظيم القاعدة.

سنوات بعد ذلك تغيرت الوقائع تغيرا شبه جذري، فبعدما كان الغرب يشتكي من دخول أفراد الجماعات الإرهابية والمتطرفة إلى أراضيه، صار اليوم يشكو من هروب أبنائه للالتحاق بصفوف هذه الجماعات في أماكن أخرى. ولا تكف تقارير الصحف الأوروبية والأميركية والبريطانية كل يوم عن نشر معطيات جديدة أو أرقام مثيرة بخصوص مواطنيها الذين يغادرون من أجل الانخراط في التنظيمات المسلحة والانتماء إلى “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، فالعدد يصل رقما مخيفا ما يفتأ يتزايد باستمرار.

ففي يناير الماضي أعلن رئيس الحكومة الفرنسية أن عدد الفرنسيين الذين يقاتلون مع تنظيم داعش يبلغ الخمسمئة، وأن عددا من هؤلاء قام بأعمال وحشية، ويهدد باستهداف فرنسا من الداخل. وتقول الشرطة الأوروبية إن ما يناهز الخمسة آلاف أوروبي مجندون في صفوف هذا التنظيم الإرهابي المتطرف.

والأنكى من ذلك أن الأمر لم يعد قاصرا على الشبان ذوي القابلية على القتال وخوض المعارك وتكبد عناء السفر، بل شمل أيضا حتى النساء، وفي حالات كثيرة سُجلت نسبة من الأطفال والمراهقين، هذا إلى جانب أن هناك احتياطيا خفيا يعمل من داخل البلدان الأوروبية من أجل تجنيد مقاتلين جدد، ويتحرك عبر مواقع التواصل الاجتماعي لترويج خطاب جماعات التكفير، وهو الأمر الذي يزيد في إثارة القلق لدى البلدان الأوروبية.

صحيح أن عددا من هؤلاء المجندين هم من جنسيات بلدان عربية ومسلمة، وإن كان جلهم حاصلا على جنسيات البلدان الأوروبية التي يعيشون في أكنافها، بيد أن هناك أعدادا لا حصر لها من المواطنين الأوروبيين، ممن تربوا في أحضان الثقافة الأوروبية وتشربوا مبادئها الليبرالية ومبادئ حقوق الإنسان والتنوع والتسامح الديني والحضاري. فالمسألة إذن ليست مفاصلة حضارية كما تصورها هانتغتون، لأن الظاهرة الجديدة التي بدأت تلوح أمامنا مع مسمى”الدولة الإسلامية” لم تعد تعترف بالحدود الجغرافية ولا بالفواصل الثقافية واللغوية، بل صارت من التداخل ما بات معه الأمر يقتضي منهجية جديدة في التفكير في هذا التحول الحاصل في خارطة الفكر التفكيري عبر العالم، شرقا وغربا.

تعكس ظاهرة التحاق الغربيين بجماعات العنف الديني الإسلامي حالة الانقسام داخل هذه المجتمعات، فقد أصبح الغرب يقاتل نفسه في الشرق، ويثور على منظومة القيم والسياسات الدينية المتبعة هنالك. بل إن هذه الظاهرة تعد نوعا من المحاكمة لآليات تدبير الملف الديني في البلدان الغربية طيلة العقود الماضية، ولحالات التواطؤ مع جماعات العنف والتشدد الديني، عندما كان الغرب يعتقد بأن هذه الجماعات يمكنها أن تخدم أجندته المرسومة في العالم العربي والإسلامي، فيتساهل معها من منطلق أنها لا تشكل خطرا عليه، بقدر ما تعتبر سلاحا في يده يستخدمها متى ما أراد.

لقد فرضت هذه الظاهرة الجديدة على البلدان الأوروبية اليوم إعادة النظر بشكل جذري في أشكال تعاملها مع الموضوعات المتعلقة بالديانة الإسلامية فوق أراضيها، إذ لأول مرة أصبحنا نلاحظ اهتماما أوروبيا بما يجري في عدد من البلدان العربية والإسلامية في المجال الديني، بغية الاستفادة من خبراتها. فبعد أن كان الغرب يمارس سياسة العين المغمضة والأذن الصماء، بات اليوم حريصا على الإنصات، وأصبح يدرك بأن ظاهرة التطرف الديني ليست ناجمة فقط عما يحدث في بلدان الشرق، بل إن الغرب نفسه يتحمل جزءا من المسؤولية السياسية والأخلاقية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر