الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الحسين الثائر ليس ملكا للشيعة فقط

الاستئثار بميراث الحسين حالة مرتبطة بأغراض سياسية، وقد وظفت في المبالغة في مظاهر الاحتفاء بذكرى الشهادة، وتحويلها إلى مناسبة لتكريس الانقسام الطائفي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/10/20، العدد: 10072، ص(8)]

لعل ذكرى استشهاد الإمام الحسين (رضي الله عنه) ظلت حية في نفوس أبناء العراق لألف وأربعمئة عام لما تحمله من قيم الثورة والإصرار على المبادئ حتى الشهادة. ورغم أن التاريخ العربي الإسلامي مليء بالخلافات حول السلطة السياسية، إلا أن هذه المحطة الدامية الأليمة شكلت رمزا من رموز الموروث الشعبي ليس عند الشيعة فحسب، وإنما على امتداد التاريخ النضالي العراقي والعربي والإسلامي، لما حملته من تداخلات بين الدين والسياسة، والصراع بين الاستبداد بالحكم والظلم وطلب الحرية، بين انتصار الدم على السيف والقوة والبطش.

لكن تلك الفاصلة المؤلمة فتحت الأبواب أمام صراع طائفي رقد لقرون تحت الرماد لكنه ينبعث بدوافع سياسية تزرع الانقسام وتغذيه. كان المناخ الذي حصلت فيه تلك المأساة ملبدا بالانقسام السياسي الذي حصل حول الخلافة رغم أن ما جرى في اجتماع سقيفة بني ساعدة شكل أول منبر للشورى حول الحكم حين رجح الرأي الذي قال ببقاء الحكم بيد قريش والهاشميين استنادا إلى قول أبي بكر الصديق “إن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا”.

كانت أجواء الانقسام قد اشتدت بسبب عدم مبايعة علي بن أبي طالب عليه السلام لمعاوية وحصول معركة “صفين”، ثم عدم مبايعة الحسين ليزيد بن معاوية، وهنا برزت قصة شيعة (الحسين) وشيعة (يزيد) وحصول معركة “الطف” التي كشفت عن الكثير من دهاليز المكر والباطنية، ليصبح استشهاد الحسين وعائلته الكريمة رمزاً للتخلي والخذلان، حتى إن الشاعر الفرزدق قال للحسين قولته المشهورة عن أهل الكوفة “قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية” في أعمق درس للخديعة.

ويبدو أن مفردات تلك الواقعة الأليمة وما حصل لأهل بيت رسول الله من كارثة لم تحافظ على وقائعها الحقيقية ودلالاتها الراقية، وإنما تم الشغل عليها سياسيا وطائفيا. فأدخلت عليها قصص وحكايات مفبركة لتكريس الانقسام الطائفي في استخدام مغرض ومشوه لمحركات الضمير العاطفي الجمعي لأبناء الشيعة العراقيين، مما شكل بعد ذلك معمار ثقافتهم في التشيع رغم أن هذه الحلقة من تاريخ صراع السلطة في عهد الخلفاء الراشدين هي ملك العرب المسلمين جميعا وليس العراقيين أو من يدعون أنهم شيعة الحسين في الوقت الحاضر.

لقد تم تكريس حالة العزلة والانفراد بمصادرة تاريخ المأساة الحسينية وهي جزء من حالة الصراع التي امتدت على طول فترة الحكم الإسلامي، وهو إرث شامل يهم العرب والمسلمين جميعا ولا يختص بطائفة معينة، مما أثار ويثير الكثير من التساؤلات حول الغايات السياسية من هذا التقزيم لمساحة الإرث الحسيني.

أليس العربي السني في العراق وعبر التاريخ وحتى اليوم يعتز بتراث المشهد الحسيني؟ ألم يكتب عمالقة الأدب العربي مثل عباس محمود العقاد في كتابه “أبو الشهداء الحسين بن علي” وجورجي زيدان في كتابه “غادة كربلاء” مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب وهما ليسا شيعيين وأحدهما مسيحي، وقبلهما خلد الشهيد الحسين رواد كتابة التاريخ العربي الإسلامي؛ المسعودي والأصفهاني وغيرهما.

ولعل عقدة الاستئثار بميراث الحسين ليست قضية طارئة وإنما هي حالة مرتبطة بأغراض سياسية خارجية قبل أن تكون دينية أو مذهبية. ألا نلاحظ كيف وظفت هذه القصة منذ 2003 إلى حد اليوم في المبالغة في مظاهر الاحتفاء بذكرى الشهادة، وتحويلها إلى مناسبة لتكريس الانقسام الطائفي؟ ظلت الحكومات العراقية المعاصرة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 تعطي للأئمة والأولياء الصالحين مكانتهم المرموقة، وترعى مراقدهم رغم وجود موارد الخمس لرعاية تلك المراقد، ففي أواخر السبعينات رفضت الحكومة العراقية إدخال الأبواب المذهّبة لمرقد الحسين التي جلبتها إيران واعتبرت ذلك إهانة للعراقيين.

وظلت قصة الطقوس كالمواكب والتطبير، وغيرهما من المشاعر والممارسات، خاضعة للكثير من الاعتبارات الأمنية والسياسية لكي لا تنحرف عن هدفها حتى في فترة نظام حكم أحمد حسن البكر وصدام حسين المتهم بقمعه للشعائر الحسينية. لقد كانت الإذاعة العراقية ومنذ عام 1958 تذيع سنويا تسجيل “المقتل” كناية عن يوم الشهادة بصوت القارئ المعروف عبدالزهرة الكعبي، ثم بصوت عبدالهادي الكربلائي عام 1981، ولسنوات طويلة لم ينتبه أحد إلى أن في بعض فقرات الدعاء كانت عبارة “لعن الله أمة قتلت ابن بنت نبيها”.

مفردات تلك الواقعة الأليمة لم تحافظ على وقائعها الحقيقية ودلالاتها الراقية، وإنما تم الشغل عليها سياسيا وطائفيا

كانت سياسة الإعلام العراقي الليبرالي في ذلك الوقت تقوم على النأي عن الخلافات الشيعية السنية وقضت بالامتناع عن إذاعة الأذان لتجنب الإحراج في الخلاف في مواقيت وكلمات أذان الصلاة عند الشيعة حيث تضاف عبارة “أن عليا ولي الله” مثلما هو اليوم في إذاعة وقناة تلفزيون العراق الرسمية في تكريس مقصود للانقسام المذهبي.

ولعل من الشواهد على اعتزاز جميع العراقيين بالحسين وأهل البيت وليس هم حصة أبناء الشيعة فقط، فمعروف أن سكان مدينة سامراء جميعهم من العرب السنة إلى حد عام 2003 حيث تتكون هذه المدينة من سبع عشائر ترجع بنسبها إلى الحسين. وهم يحتضنون باعتزاز وفخر مرقد الإمامين العسكريين علي الهادي وحسن العسكري اللذين استهدفا بالتفجير الإرهابي في 22 فبراير 2006، حيث انطلاق شرارة الفتنة والحرب الطائفية وما صرح به الجنرال العسكري الأميركي جورج كيسي من “أن فيلق القدس الإيراني متورط في التفجير”، وأنه أبلغ رئيس الوزراء، آنذاك، نوري المالكي بتلك المعلومات في حينها.

لقد أحيطت المأساة الحسينية بالكثير من الأساطير والقصص الحزينة لاستحضار المشهد الدرامي لإثارة النفوس، ومن بين تلك المظاهر والمشاعر قصة التطبير وإدماء الرؤوس، وهي عادة وافدة من إيران لم تكن موجودة في العراق قبل القرن التاسع عشر، وهو موروث أُخذ عن المسيحيين في العهد الصفوي وشجعه الكثير من العلماء والمراجع الشيعية الإيرانية والعراقية، ولم يكن موقف السيد السيستاني واضحا منها، أما المرجع الشيعي الراحل العلامة محمد فضل الله المكروه من قبل الإيرانيين فقد وصفها بأنها “مظهر تخلف في الوجه الشيعي الإسلامي” وحتى الراية السوداء التي رفعها الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) فقد استثمرت فيما بعد وأحيطت بقصص وأساطير قسم منها يقول “إن الراية السوداء ستظهر من الشرق – خراسان – مع ظهور المهدي استنادا إلى أحاديث نبوية”. والراية السوداء يستخدمها تنظيم “داعش” أيضا كتعبير منه على الخط المحمدي الهاشمي.

وللأسف الشديد يتم اليوم في العراق الدامي الذي يعيش كله مشهدا حسينيا في الظلم، يستثمر السياسيون الماكرون الفاسدون من الأحزاب الشيعية قضية طقوس “مقتل الحسين” لإظهار اندماجهم في المشهد ويقيمون الولائم للمواكب من أموال الفقراء، لأنهم يعلمون عمق الموروث الحسيني في ضمائر الناس. بل إن نوري المالكي دعا إلى إحياء حرب يزيد ومعاوية حين قال “أنصار يزيد وأنصار الحسين على طول الخط يصطدمون في مواجهة مستمرة”، إذن هذه هي الحكاية، واللعبة انكشفت أمام الجمهور العراقي المسكون بالفجيعة الطائفية الكبرى.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر