السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

التائهون في شبكات التواصل

هؤلاء التائهون في شبكات التواصل والذين لا يتركون شاردة ولا واردة إلا وأدلوا دلوهم فيها، أصبحوا معلّقين وقادة رأي ومنتجي صفحات و'هاشتاغات'.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/10/20، العدد: 10072، ص(18)]

الحالة العربية السائدة لجيل من الشباب الذي نشأ مع شبكات التواصل الاجتماعي تفصح عن “تواصل” حقيقي عميق وصلة لا انفصام لها ما بين هذا الجيل وما بين شبكات التواصل هذه حتى صار من الصعب تخيل حياة تلك الشريحة الواسعة التي تعد بالملايين من دون تلك الشبكات. فعلاوة على الانغماس في متعة وسهولة الوصول إلى الأصدقاء وزملاء الدراسة واللهو والعمل فإن تلك الشبكات تحولت إلى ملاذ هادئ ومتنفس للتعبير عن الذات بأشكال شتى من فرط مساحة الحرية التي تتيحها تلك الشبكات فضلا عن الخصوصية المتوارية خلف أستار تلك الشبكات.

تلك الحصيلة من الفائدة التي يجنيها جيل كامل مجانا من هذه الشبكات صارت تفرض نمطا حياتيا ما، فالأجهزة المحمولة من هواتف وكومبيوترات صارت جزءا أساسيا من الشخصية وصارت انعكاسا لها وتعبيرا عنها وقناة للتواصل من خلالها فهي توأمة حقيقية ودائمة ولا انفصام لها ولا يمكن تخيّل شكل الحياة من دون ذلك التيه الممتع في الشبكات.

واقعيا هنالك الكثير من اللهو وتضييع الوقت في مقابل ما هو مثمر وإيجابي ومفيد. اللهو والوقت الضائع اللذان لا يمكن حصر حدودهما وامتدادتهما أنتجا جيلا تائها في الشبكات بإمكانه أن يمضي عشرات الساعات أسبوعيا في مقابل وقت أقل لبناء القدرات والتعلم وتلك إشكالية أخرى تتعلق في ما صار يسمى “إدمان الشبكات” وهو نوع من الإدمان الذي يختلط فيه الوعي باللاوعي ويختلط فيه الاستسهال وقتل الفراغ بالهروب من الواقع.

لكن هذا التيه في وجهه الأخطر أنتج شريحة محتقنة من الشباب المنحرف الذي استقطبته الشبكات والجماعات الإرهابية وتم تجنيد الكثيرين عن طريق تلك السياحة السائبة في وسائل التواصل حتى سقط

من سقط في تلك الشِباك وضاع في متاهاتها، وبذلك أنتجت الشبكات واقعا غير مسبوق في خطورته على شباب محبط وغير محصّن يبحث عن شكل تلك الأحلام الافتراضية التي لقنها له متشددون وفصاميون وانتهازيون وتجار سياسة.

هؤلاء التائهون في شبكات التواصل والذين لا يتركون شاردة ولا واردة إلا وأدلوا دلوهم فيها، أصبحوا معلّقين وقادة رأي ومنتجي صفحات و”هاشتاغات” وما إلى ذلك مما برعوا فيه منغمسين أيضا في صراعات محلية وإقليمية زادت هذا الجيل تيها على تيه بدل أن تخرجه من حالة التخبط والفوضى التي تسود العالم العربي والتي صار جيل بأكمله جزءا منها.

لعله واقع إشكالي يختلط فيه التسيب في قتل الفراغ بالتواصل الإنساني بالعلاقات العاطفية بالاحتقانات الدينية والمذهبية والعرقية بنزعات العنف باللاجدوى والإحباط في خليط متنافر ومتداخل يفيض فيضا من تلك الشبكات. وخلال ذلك يبدو أن مرحلة “التيه” هذه آخذة في التفاقم والتائهون آخذون في الازدياد وسط تجاهل إعلامي ولا مبالاة المؤسسات التعليمية مما يدفع أفواجا جديدة من المراهقين والشباب تنضم إلى فئة التائهين من الملايين في صفحات التـواصل الاجـتماعي.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر