الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الغالبية المستقيلة

شواهد الاستقالات الجماعية من المشهد السياسي ومن القرار الوطني مقدمات تشير إلى فشل القائمين على الفعل السياسي في الإقناع بالمشروع التنموي، يضاف إليه التخبط في تحقيق أي منجز اقتصادي واجتماعي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/10/21، العدد: 10073، ص(9)]

على الرغم من مرور نحو خمس سنوات على اندلاع ما اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي”، فإنّ النتيجة السياسية لم تخرج عن كونها نكوصا على الأعقاب متمثلة في ثنائيّة “استقرار ذات الطغمة السياسية في مقاليد الحكم، واستقالة شريحة شعبية واسعة من المشاركة في القرار والخيار الوطنيين”.

قد تكون عبارة “الغالبية المستقيلة” هي العبارة الأكثر انسحابا على المسلكية السياسية التي اجتبتها شعوب الربيع العربي عند الاستحقاقات الانتخابية، وقد تكون كذلك هي التعبيرة الفضلى لتمثيل كينونة الرباط القائم اليوم بين الفاعل السياسي والرأي العام في ظلّ فضاء عمومي ما انفك ينحسر بأهله وبأطروحاته يوما بعد يوم، ليعود إلى مستوى التضييق الذي اشتعلت في سياقه التحركات الشعبية في شتاء 2011.

شواهد الاستقالات الجماعية من المشهد السياسي ومن القرار الوطني كثيرة، قد تنتهي عند مصر التي سعت إلى تعويض قلة المشاركة الانتخابية في الاستحقاق الرئاسي باقتراع أوسع في التمثيل البرلماني، بيد أنّ مستوى المشاركة لم يتجاوز في أحسن الحالات سقف الخمسة عشرة بالمئة – وفق الهيئة العليا للانتخابات البرلمانية- ولكنها، أي الشواهد، تجسدت أيضا في الإقبال الضعيف على الاستحقاق البرلماني والرئاسي في تونس، وتجسمت أيضا في شبه المقاطعة في بعض المناطق التي أبداها الشعب الليبي في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهي كلّها إرهاصات ومقدمات تشير إلى فشل القائمين على الفعل السياسي في الإقناع بالمشروع الحضاري والتنموي، يضاف إليه التخبط والتململ والاضطراب في تحقيق أي منجز اقتصادي اجتماعي يخرج الشعوب من دائرة الفقر المدقع.

إذن القضية لم تعد مرتبطة عضويا بسياسة الأنظمة الحاكمة في أقطار الربيع العربي ومدى التزامها بالتوافق السياسي والمصالحة الوطنية الشاملة – وهي قضايا مهمة ولكنها ليست في إطار مبحثنا هنا – وإنما هي متعلقة بخيار الإجماع الشعبي والالتفاف الجماهيري وراء مشروع حقيقي للنهضة والاستنهاض، وهو ما يغيب فعليا عن كافة أقطار الربيع العربي التي باتت اليوم ساحة إما للحروب الدولية والإقليمية، اليمن وسوريا، وإما مساحة للاحتراب السياسي المقيت، تونس ومصر، وإما مسرحا للحرب والاحتراب معا على الشاكلة الليبية.

وإن كانت شركات سبر الآراء تشتغل على المنطوق سياسيا فإنّ على الفاعلين السياسيين ومراكز التفكير والتدبير أن يحفروا عميقا في “السكوت” الاجتماعي والشعبي، ذلك أنّ لغة الشعوب مختلفة عن لغة الفرد، فمن عادة الجماهير أنها لا تعرف “الحجاج” أو “الجدل” أو “النقاش” فقد يكون كلامها سلما وقد يكون سكوتها احتقانا تحضيرا لانتفاضة لا تدرك كنه أنصاف الحلول والمقترحات. لذا فإنّ اقتناص هذا المؤشر من “الاستقالة الجماعيّة” في كافة الأقطار العربية، ولا نركز على دولة بعينها، ضرورة ملحّة تقتضي وضعه في سياق “التكدّر الشعبي” من الأداء السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكلّ صانعي القرار السيادي ولكلّ المؤثرين فيه، وهو تكدّر قد ينفتح على أكثر من نتيجة ونهاية.

التسليم بنجاح دعوات المقاطعة في الانتخابات المصريّة أمر مجانب للصواب في كليتّه على الأقل اعتبارا بأنّ المشاركة الانتخابية كانت ضعيفة للغاية في دول لم تعرف دعوات إلى المقاطعة الانتخابية، بيد أن معاملة المواطن العربي على أنّه ورقة انتخابية يقع “إنتاجها” و”قولبتها” في ورشات صناعة الرأي، وتوجيه القرار لا على أساس أنه المرجع لكلّ قرار والشرعية لكلّ خيار والسند لكلّ مشروع، ستزيد من الغربة السياسية التي يعيشها المواطن في دول الربيع العربي.

والحقيقة الأكثر إيلاما التي على الجميع استيعابها أنّ كلّ غربة سياسية ستستدرّ غربة اجتماعية واقتصادية وهي التي ستفضي إلى غربة في الأوطان تمثّل أحسن هديّة لكافة التنظيمات التكفيرية والإجرامية التي تستثمر أيضا بنفس المقاربة الميكيفيالية الوصولية الانتهازية في المواطن العربي، لا على اعتباره ورقة انتخابية – كما لدى مستكرشي السياسة – وإنّما كبيدق حقير وذليل يُدفع به في ساحات الانتحار والنار والأوار في رقعة شطرنج المخابرات الإقليمية والدولية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر