الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

أخطار المدينة

كاترين دينوف تقدم فيلمها 'أخطار المدينة' الذي يتحدث عن العنف ذاته الذي انتقدته طويلاً، لكن من قال إن المدينة، ككائن قديم جديد، ليست أصلاً مكاناً للخطر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/10/23، العدد: 10075، ص(24)]

أهداني مرة، صديق لئيم يكره الشعر والشعراء، كتيباً صغيراً أصفر اللون، كي أصبح مثله وأقتنع أن هؤلاء فوضويون، ولا يصلحون للحياة في المدينة، قرأت الكتيب مرات، فلم يقنعني، لكنه علق في ذاكرتي ولم يبرح، ويستان أودن وبحثه الشهير “محنة الشاعر في أزمنة المدن”، الذي اعتبر أن هذا النمط من البشر صعب المراس، ولا يمكنه العيش بشكل طبيعي مثل بقية الناس، إذا لم يتخذ بعض الإجراءات الاحترازية، كتربية حيوان أليف، وضغط الشخصية الانفعالية في كبسولة محكمة، كما قال، وغير ذلك من الأمور، وإلا سيسهل على المدينة طحنه.

أودن الذي وصف بأنه “أعظم عقول القرن العشرين”، يصعّب نصائحه على الخلق، فيشترط علينا أن نتعلم اللغة الإنكليزية بالضرورة، بالإَضافة إلى لغة قديمة، وأن نقرأ دوماً شيئاً من الرياضيات والتأريخ الطبيعي والجيولوجيا وعلم الآثار والإنثروبولوجيا، وأن “نفلح” حديقة يومياً.

فقدتُ الكتيّب أول مرة، ثم عاد لي في نسخة جديدة قادمة من المغرب، فأعدت قراءته من جديد، وحللته ودرست تفاصيله، ثم استعاره أحدهم ولم يرجعه، ليعود لي بنسخة ثالثة بعد سنوات، مثل حذاء أبي القاسم الطنبوري، ثم وجدته في معرض للكتاب قرب سوق السمك، في مدينة سياتل على المحيط الباسيفيكي، ثم فقدته، ثم عاد لي من جديد في دبي، وتركته هناك مع بعض كتبي، ليعود لي من جديد في ألمانيا، قادماً من لندن.

لا يبدو بحث أودن سفراً عظيماً، لكنه رسالة بليغة، نحن بأمس الحاجة إليها، لا الشعراء وحدهم، بل العرب عموماً، فعالمهم يقوم على شعرية الواقع لا واقعيته، ويرى الدنيا مركّبات من الخيال، أكثر منها ماديات قائمة، ولعل اللغة العربية هي السبب، وهي كونٌ يضم أكثر من اثني عشر مليون مفردة، لكل منها تاريخه وعمر دلالاته الطويل المتحوّل.

لم أستطع تربية حيوان أليف، عملاً بنصيحة أودن، ولا نجح مشروعي الزراعي، فقد خدعني الفلاح الماكر الذي خلع كروم العنب الآشوري، ليزرع محلها الحنطة والشعير، واليوم لا يأخذني كتيّب أودن، إلا إلى كاترين دينوف الممثلة الفرنسية “الأيقونة”، التي أصبحت مع الزمن إحدى علامات الحضارة الأوروبية الحديثة، التقيتها أول مرة في دمشق، قبل أكثر من عقدين من الزمن، وأصغيتُ إلى حديثها عن السينما والمرأة والحرية، وموقفها الثابت من الروح الأميركية التي غزت العالم، بالعنف والخشونة واستباحة كل شيء سينمائياً، قبل أن تجري استباحته واقعياً في العالم المعولم.

اليوم تقدّم كاترين دينوف فيلمها “أخطار المدينة” الذي يتحدث عن العنف ذاته الذي انتقدته طويلاً، لكن من قال إن المدينة، ككائن قديم جديد، ليست أصلاً مكاناً للخطر؟ وهي التي تجبر الإنسان على ضغط شخصيته ككبسولة، كما يقول أودن.

كاترين دينوف تنتمي إلى العالم الآخر، غير المعولم، الذي لا يحب الحياة القاسية الصاخبة، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، تقول “مع دخول عالم الاتصالات الرقمية، ثمة تلصّص على كل شيء وفي كل مكان وطوال الوقت”. العالم بالفعل مليء بالمخاطر، ولابدّ من اتخاذ إجراءات أودن.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر