الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

وجه الشبه واحد

يا للخيبة، لم يبق للسنة والشيعة شيء من خصال آل البيت، غير تصفية الحسابات القديمة والجديدة، والتباكي على عصر يزيد والحسين.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/10/30، العدد: 10082، ص(21)]

فيم تختلف المشاهد العنيفة والصور الدموية البشعة التي تجتاح سنويا احتفالات المسلمين الشيعة بعاشوراء عن صور الأعمال المروعة التي يرتكبها تنظيم داعش والجماعات الدينية المتطرفة؟

يكاد يكون الشبه واحدا وإن اختلفت التسميات والنيات، فما نراه اليوم من بدع وطقوس تشوه الإمام الحسين(ع)، وهي أبعد ما تكون عن فلسفة ثورته الخالدة ومعانيها الإنسانية.

الحسين لم يضح بنفسه من أجل أن يخلف وراءه أمة لا تحفل إلا بتطبير الرؤوس بالسيوف وبضرب الأجساد بالسلاسل الحديدية واللطم على الوجوه والمشي مسافات طويلة تحت الشمس الحارقة والتمرغ في التراب والزحف في الوحل.

هذه المناظر المشمئزة أبعد ما يكون عن مبادئ الحسين الذي ثبت على الحق ودافع عنه حتى آخر رمق.

الحسين ضحى بنفسه ولم يكن يعلم أنه سيخلف وراءه طوائف تتناحر، ليس من أجل نصرة الحق أو ازهاق الباطل، بل من أجل التنكيل ببعضهم والتلذذ بمنظر الدماء المرعب.

للأسف، الشحن الطائفي الذي يغذيه رجال الدين المتطرفون ذهب بالعقول وحوّل عاشوراء من مناسبة للتسامح بين الناس، إلى مساحة لتعميق الخلافات والنزاعات والتحريض على سفك الدماء وقتل الأبرياء، تحت مظلات لا علاقة لها بالإسلام ولا بتعاليمه، بل تغذيها التهافتات السياسية ونار الصراعات الطائفية والعرقية التي لم تخمد على امتداد التاريخ العربي الإسلامي.

والمؤلم في هذا كله، هو الزج بالأطفال في مثل هذه المواكب وتسلحهم بسيوف وآلات حادة ليشجون بها رؤوسهم، إحياء لطقوس لا محل لها من الأعراب سوى الاعتداء الجسدي والنفسي على هؤلاء الأبرياء الذين لن يجنوا في نهاية الأمر من هذه الممارسات المازوشية جراحا جسدية فحسب، بل وأمراضا بالجملة جراء تبادلهم أدوات الطبير مع أشخاص آخرين، هذا بالإضافة إلى الجراح النفسية الغائرة التي من الصعب شفاؤها.

أي معان تحملها هذه الحرية الدينية التي تتعسف على نفسيات الأطفال البريئة، وتحببهم في ممارسة العنف وتأصله فيهم منذ نعومة أظفارهم، من أجل أغراض لا يفقهون معانيها الشريفة أو الدنيئة.

أين حق الطفل في العيش بسلام وسط مظاهر احتفالاتهم الدموية التي تعرض حياته للموت أو تجعله معوقا جسديا وعقليا مدى الحياة.

يبدو أنه لا قيمة للمعاني الإنسانية، ولا معنى أصلا للحقوق البشرية وسط القسوة العارمة للقلوب والنفوس المكبلة بالجهل والتعصب تحت مسمى الولاء للمقدس.

برأيكم أي المواقف أشرف؟ أن يتخلى مصطفى وآلاء الشابان العراقيان اللذان مازالا في مقتبل العمر عن مصاريف حفل زفافهما من أجل شراء مؤن وأغطية للاجئين في المخيمات المنسيين في العراق، أو أن تهدر المليارات على المسيرات ومجالس النواح واللطم التي تؤجر لها أفخم الفضاءات في مختلف دول العالم، في الوقت الذي يعيش فيه الملايين من اللاجئين السوريين والعراقيين في العراء ويتسولون الأكل والمأوى من الغرب.

وما قيمة الدماء التي تهدر من الأجساد على قارعة الطرقات من دون أن ينتفع منها من هم في أشد الحاجة إليها من الجرحى والمصابين في الحروب والتفجيرات والمرضى الذين لا حول ولا قوة في العديد من الدول العربية والإسلامية.

للأسف، لقد أصبحت للنزعات الطائفية حسابات أخرى أبعد ما يكون عن المبادئ الإنسانية والأعمال الخيرية.

يا للخيبة، لم يبق للسنة والشيعة شيء من خصال آل البيت، غير تصفية الحسابات القديمة والجديدة، والتباكي على عصر يزيد والحسين.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر