السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الزمن المفترس

الزمن يمرّ وفيه تتغير الأشياء وتعلو وتهبط وتؤسس الحضارات وتنهار ولا يبدو معها أن شيئا أقوى من شيء.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/10/30، العدد: 10082، ص(24)]

كانت الرقابة في التلفزيون السوري، تقص جملة من مسرحية عادل إمام “شاهد ما شفش حاجة” والتي يقولها في مشهد حديقة الحيوان، بعد أن يطعم أصدقاءه من الأرانب “كلابالا” وصغيريها “تيمور” و”هندي”، ليفاجأ بملك الغابة خلفه، فيقول مرتعبا “دا أنا بخاف من الكلب، يقوم يطلعلي أسد!”، ولم يكن جمهور مشاهدي التلفزيون يعرف السبب، لكن جملة عادل إمام تلك، انتشرت بين الناس، بسبب محوها من شريط المسرحية، وصاروا يرددونها أمام مواقف الحياة المختلفة، للدلالة على حجم المعاناة أمام أي شيء غير متوقع.

الحياة أيضا، مسرحية، نحن نكتب السيناريو الخاص بها، ولا نتحكم بالحوار، بينما تفرض علينا الظروف شكل الديكورات، وقد نختار بعض الممثلين في مسحريتنا هذه، لكننا غالبا ما نفاجأ بالكثيرين منهم، ويحدث أن يظهر على الخشبة، كومبارس هنا أو كومبارس هناك، يعبر في هذا المشهد أو ذاك، أما المخرج فلن نتحدث عنه، فهو والمنتج يتقاسمان الضحكات في الكواليس.

أما ما يزيد لعبة المسرحية تشويقا، فهو الزمن، الذي لا يعرف أحدٌ سرّه حتى اليوم، وهل هو موجود أم لا؟ أم أن الإنسان اخترعه ليتحداه طيلة حياته من لحظتها الأولى وحتى توقف خلاياه عن الحياة؟ حتى أن حرب الإنسان والزمن استمرت لتتجاوز الكوكب، لتعبر إلى العالم الآخر، وفيه يندحر الزمان، ويغتنم البشر الخلود، سواء في النعيم أو الجحيم.

أعاجيب الزمن تدهشك ببساطتها، وسخريتها من مخاوف الإنسان وأحلامه معا، فيقولون لك إنك إذا سافرت من طوكيو عاصمة اليابان في الساعة السابعة صباحا، إلى هونولولو عاصمة ولاية هاواي الأميركية، فإنك ستصل في تمام السابعة من مساء اليوم السابق، أي أنك إذا سافرت اليوم فستصل أمس، ولا يعرف أحدٌ أين ذهب اليوم المفقود، ولا من عاش فيه، ولا ما الذي حصل فيه.

الزمن يمرّ، وفيه تتغير الأشياء وتعلو وتهبط، وتؤسس الحضارات وتنهار، ولا يبدو معها أن شيئا أقوى من شيء، فعمر جامعة أكسفورد البريطانية الشهيرة، يعدّ أكبر من عمر حضارة الأزتيك، فقد بدأ التعليم في أكسفورد في العالم 1096، بينما بدأت حضارة الأزتيك في أميركا الجنوبية في العام 1325، فكم هو حجم التراكم المعرفي في الحالتين، وما هو الفارق الزمني بينهما، وقد عاشتا في الكوكب ذاته وفي الوقت ذاته؟

أسرع الكائنات لديه معاناته مع الزمن أيضا، فالناس تعرف أن الضوء يستغرق ثماني دقائق فقط، كي يصل من الشمس إلى الأرض، ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن خيط الضوء ذاته يحتاج إلى ثلاثين ألف سنة، لينتقل من لبّ الشمس إلى سطحها، أما جوز الهند، فيستغرق وقتا أقصر ليصل من أعلى الشجرة إلى الأسفل، ويتسبب سقوط ثماره الخشبية الشعثاء، من أشجار النخيل الباسقة، كل سنة، بقتل عدد من البشر أكثر من عدد أولئك الذين تأكلهم أسماك القرش، التي تسبح في البحر الذي يسبح فيه اللاجئون هربا من الموت، والزمن يمرّ، بينما العالم ما يزال ينظر مثل شاهد “مشفش حاجة”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر