الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

الخميس 17 اغسطس/اب 2017، العدد: 10725

العودة إلى البدائية المتوحشة في العراق

لم يعد الحديث عن الدولة الفاشلة مطابقا للظواهر السائدة في العراق، وإنما الوصف الأكثر واقعية هو 'غياب الدولة'، حيث تحضر المكونات الطائفية والعنصرية والعشائرية وتحكم المجتمع والبلاد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/11/03، العدد: 10086، ص(8)]

لم تعد حالة العراق المتردية تقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل انتقلت وبقوة نحو القاع الاجتماعي، حيث تراجعت حياة الناس بسرعة إلى التخلف والبداوة والعشائرية والطائفية والتفكك لدرجة مخيفة، ولم يعد الحديث عن الدولة الفاشلة وفق المفهوم الحديث مطابقا للظواهر السائدة في هذا البلد، وإنما الوصف الأكثر واقعية هو “غياب الدولة”، حيث تحضر المكونات الطائفية والعنصرية والعشائرية وتحكم المجتمع والبلاد، فلا قدسية للوطن. فالعصابات هي التي تجتاح البلد وتتحكم في ثلث أرضه، وحين تغيب الدولة عن مجتمع ما يتحول إلى غاب تتسيّده الوحوش الكاسرة من أسود ونمور وضباع وذئاب وغربان، تأكل جيف الضحايا من خراف وغزلان.

وللأسف الشديد يمر العراق بهذا الحال، إلى درجة تبدو فيه عمليات الإصلاح الجزئي حتى وإن توفرت بنيّات صادقة لا تقدم علاجا لما وصل إليه البلد من انهيار جميع منظومات الحياة المدنية، وأهمها علاقة المواطن بالدولة وعلاقة المواطنين فيما بينهم.

ولعل من الوهم تصور أن مخاطر الاحتلال الأميركي والنظام الطائفي الذي صنعه وقننه بالدستور، اقتصرت على تفكيك المجتمع وفق مجموعات طائفية وعرقية متناحرة، وتسيّد ميليشيات طائفية تقتل البشر وتغيّب العلماء والنخب التي ساهمت في بناء العراق، أو في تخريب اقتصاده وإنبات ورعاية مافيات الفساد داخل نظامه الحكومي، فبعد مرور اثنتي عشرة سنة على بداية عهد التفكك والانهيار، أخذت تسود في الحياة العامة نزعات الكراهية والأحقاد والتآمر والنفعية المادية، والاستئثار بمغانم السلطة والجاه لفئة قليلة، وحرمان الكثير من حقوق امتلاك الفرص للخدمة العامة، بل وانتزاع الحقوق المدنية العادية من أصحابها بحجة الانتماء السياسي أو الطائفي، في أخطر عملية إبادة للقيم الأصيلة في المجتمع العراقي ولمعايير الحياة المدنية المعاصرة، وتشويه القيم العربية الأصيلة ومكونات “القبيلة والعشيرة” وتوظيفها لأرذل المصالح الفئوية والخاصة، بل وزرع الفتن الطائفية داخل جسم العشيرة الواحدة.

لقد جرى تدمير منظم للبنية التحتية، وتغييب للروابط الأصيلة في المجتمع العراقي، وبنيان العائلة القائمة على المساندة والرحمة وبنيان المجتمع القائم على النخوة والتكافل، فلم يعد الأخ يسأل عن أخيه إلا نادرا، وإذا كانت هناك فرصة لاستغلاله يتم اقتناصها، وبرزت فئة اجتماعية متخلفة كانت دائما على هامش الحياة وعلى رصيف التاريخ ومعزولة عن سلّم التطور العام في البلد، استثمرت الفوضى التي أسسها الاحتلال وجزء من أفرادها هم الذين ظهروا على شاشات التلفزيونات العالمية في الساعات الأولى لاحتلال بغداد عام 2003، وقاموا بنهب موجودات مؤسسات الدولة وأحرقوا وثائقها ومحتوياتها، والقسم المنظم المدفوع من قيادات النهب الدولية التي كانت تعرف ماذا تفعل، سرقوا ما استطاعوا من محتويات المتحف العراقي ووثائق تاريخ العراق المهمة، وهؤلاء أصبحوا اليوم هم “طليعة المجتمع المتوحش” الجديد في بغداد بعد أن تم طرد المجتمع البغدادي الأصيل.

جرى تدمير منظم للبنية التحتية، وتغييب للروابط الأصيلة في المجتمع العراقي، وبنيان المجتمع القائم على النخوة والتكافل

ومن بقي ولم تتوفر له فرصة الهروب للخارج قبع في داره يبكي أيام الخير والأمن والسلام، ويقول لك حين تسأله وأنت خارج الوطن عما يحدث؟ وأين ذهبت قيم العراقيين الأصيلة يأتيك الجواب: أنت من كوكب آخر، لم يعد اليوم “عراق”، والصراع هنا من أجل البقاء.

وصدق مدير الاستخبارات الفرنسية، برنار باجوليه، حين قال قبل أيام “لا أعتقد بإمكانية عودة العراق إلى ما كان عليه بعد الحرب العالمية الثانية، سيتبدل كل شيء”. لقد تم تدمير تلك القيم وهناك أغطية لحماية العلاقات المتوحشة الجديدة هذه، عصابات قتل وموت وميليشيات تتحكم باسم المذهب والطائفة وغياب للدولة والقانون، تم قبل فترة تسريب فيديو على موقع “يوتيوب” من قلب بغداد (ساحة الخلاني)، ليس مفبركا، يظهر فيه رجل في أواسط عمره يترجل من باص صغير ومعه صبي يحمل رشاشة متوسطة، وبطريقة استعراضية يبدأ هذا الصبي برش واجهة بناية مؤسسة حكومية بالرصاص، وخلفه هذا الرجل يحميه أمام أعين رجال الشرطة الذين لم يحركوا ساكنا.

وهناك قصص حقيقية تنقل حول العالم الأسطوري القائم حاليا في بغداد. وفي جانب منه ما حصل من تدمير للقيم العشائرية العربية الأصيلة خصوصا في حل المنازعات لما فيه حماية الضحية (الفصل العشائري) والذي كان سائدا في العراق الملكي حين كانت العشائر تساند الدولة في مهماتها.

وأصبحت هذه العشائر في العهود المتأخرة توظف سياسيا ولخدمة الحاكم. واستثمرها الاحتلال الأميركي لحماية قواته من تنظيم القاعدة وباقي فصائل المقاومة المسلحة، حيث أنشأ (الصحوات) وشكل نوري المالكي فيما بعد ما سمي بـ”إسناد العشائر” في المحافظات الوسطى والجنوبية.

كما قام مجلس الحكيم باستثمار العشائر في مشروعه إقليم الوسط والجنوب الشيعي، واليوم حيث تقوم مجموعات لا شك في أنها تنتسب إلى عشائر عراقية ترتدي (العقال وتدعي المشيخة) وبتشجيع من قبل القائمين على السلطة والميليشيات حيث تمارس مهنة “بيزنس” النهب والسرقة وإيذاء الناس. نقلت لي قصص مؤلمة لما وصل إليه البلد من سيادة عصابات الجهل لا يصدقها العاقل يتناقلها أهل بغداد ومدن العراق الوسطى والجنوبية.

تقول إحدى القصص بأن رجلا جاءه عزرائيل في الحلم ليأخذ روحه، فتوسل إليه هذا الرجل أن يتركه ويذهب إلى جاره الثالث، وفي الصباح حكى الرجل حلمه لعائلته وبعد يومين توفي الرجل الجار المعني بالحلم، وحصلت صدمة عند الرجل الحالم الذي ذهب إلى مجلس الفاتحة وحكى للجالسين من حوله الحكاية، فمسكه أهل المتوفي وفرضوا عليه “فصل الدية”. وهناك قصة أكثر سريالية لكنها حقيقية مفادها أن جرذا يعيش في بيت بإحدى مناطق شرقي بغداد يرمز إليه بالرقم واحد، وهذا الجرذ يعبر كل يوم إلى البيت رقم 2، وحدث أن طالب صاحب البيت جاره “بفصل ديّة” بسبب أن الجرذ تسبب بحدوث صدمة عصبية (جفلة باللهجة البغدادية) لزوجته وكأن هذا الجرذ هو ابن لصاحب الدار رقم 1 وأُلزم بدفعها. وذات مرة وخلال دخول هذا الجرذ للبيت رقم 2 قتلوه ممّا دعا جاره إلى المطالبة بدفع الجزية جراء وفاة الجرذ، فاسترد ما دفعه سابقا. وقصص عزوف الأطباء عن العمل في وجبات مستشفيات الطوارئ معروفة، حيث يطالب أهالي المتوفين الطبيب المعالج بدفع الفدية.

لقد تم تحطيم الأمل لدى الشباب، وحين يغيب الأمل لدى الإنسان تسيطر عليه حالة الإحباط التي تقوده إلى مرض الكآبة وفي أحيان كثيرة إلى الانتحار. ولهذا دفعت عوائل كثيرة أبناءها نحو أمواج الموت بعد عبور حدود الوطن في محاولة للخلاص من موت مؤجل وقبول الدخول في معادلة الموت والحياة.

وحين تلتقي بأحد ممّن أنقذ نفسه ووصل بلد اللجوء، يقول لك: لقد أصبح البلد غير مناسب للحياة، من يعيش داخله هو من يمتلك بقايا قوة وصمود لمقاومة شبكات الموت في الشارع. بعد هذا وغيره هل ممكن الحديث عن (عراق) إلا في مخيلة ممّن لا يزالون متمسكين بإرادة التغيير.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر