الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

درس الجزائر وفلسطين.. لسنا 'أولاد الكامب'

القضية الفلسطينية تخص أصحابها، ولا داعي لمن فشلوا في إدارة بلادهم أن يسدوا نصائح، ومن المؤكد أن طعنات أصحاب الأرض لن تنهي المشروع الصهيوني لكنها تؤكد أن للأرض أصحابا يراهنون على استعادتها.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/11/03، العدد: 10086، ص(9)]

استبق الفلسطينيون ذكرى وعد بلفور “2 نوفمبر 1917” بانتفاضة جديدة، ثورة على الاحتلال بإمكانات متاحة، تمرد على الثمار السياسية لاتفاقيات أوسلو التي عارضها في حينها ذوو البصائر. في العالم العربي “كل يغني على ليلاه”، بعد حقبة طالت فيها أعمار الاستبداد، احتلال وطني يتذرع بالممانعة، وحراسة “القضية”. الآن وقد انخفضت أسقف الأماني، فلا تصل حدودها إلا إلى حلم الحفاظ على وحدة التراب الوطني، يبقى العزاء في صعود الوعي. هذا ما انتبه إليه الفلسطينيون منذ انتفاضة 1987، حين تأكد لهم أن الحل من الداخل، وأن الاحتلال عبر التاريخ لم يهبْ المستضعفين وطنا، ولم يمنح “دولة” لأصحابها. كانت للفلسطينيين عبرة بأهم ثورة استقلال في القرن العشرين، الجزائر.

يتزامن الوعد مع انطلاق الثورة الجزائرية. لم يكن لأكثر المتفائلين أن يتوقع “استسلام” فرنسا لإرادة شعب يراهن على الحياة. التجربة الدامية عام 1945 كانت ماثلة، ففي الحرب العالمية الثانية شارك الجزائريون في مقاومة الغزو النازي، ثم أنكرت فرنسا بطولاتهم، وتخلت عن وعدها بمنحهم الاستقلال، فانتفضوا في مظاهرات سلمية، واجهها الجيش الاستعماري بمذابح راح ضحيتها 45 ألف شهيد. وحين كان لابد من الثورة الشعبية فعلوها. سيخطب الجنرال ديغول في جيشه (1959) “نعيش تمردا دام خمس سنوات، وخسارتنا للجزائر كارثة لنا وللدول الأوروبية”، إنكار لجغرافيا اسمها الجزائر. انتهى “العنف المقدس” بنجاح ثورة استهلكت مليونا ونصف المليون شهيد، ثمن كبير دعا الجنرال إلى تغيير لهجته، لم يعتذر ولا قدم عزاء، وإن قال للجزائريين “فهمتكم”.

يكرر الاحتلال الصهيوني جريمة فرنسا الاستعمارية التي أنكرت صيرورة التاريخ، دون الوعي بأن كل استعمار إلى زوال. ربما يخسر الفلسطينيون جولة ولكنهم سيربحون الحرب، وينتزعون “الدولة”، فالهزيمة في معركة ليست عارا، الأهم ألا تنكسر الإرادة. هزمت مصر في 1967، ولم تنكسر إرادتها، أدرك الشعب طبيعة المؤامرة. كان أكثر وعيا من قوى كبرى راهنت على إنهاء تجربة الاستقلال الوطني، أكثر وعيا من عبدالناصر نفسه. بإرادة الشعب ظل عبدالناصر “المهزوم” يخيف إسرائيل، واحتفظ الشعب بصلابته وتفاؤله بتجاوز محنة الهزيمة، وحين تحقق النصر لم تكن الإدارة السياسية في مستوى طموح شعب أصابه الإحباط، وهو يتابع تنازلات وتواطؤات تفرط في دماء الشهداء، وتشتري بالنصر رضا الأميركان، فيقول السادات إن في أيديهم 99 بالمئة من أوراق اللعبة، في تغييب للإرادة الوطنية، وإهانة لكبرياء محاربين لم يشاركوا في “لعبة”، لكي يقرر الرئيس أنها انتهت، وتتحقق نبوءة نجيب سرور بجلوس الإسرائيليين في مقهى “ريش” بالقاهرة.

في عصر كبرياء، لم تخل من أخطاء وخطايا، كان توقيت القاهرة في المطارات، بجوار مثله في طوكيو ونيويورك ولندن وباريس، اختفى لتراجع دور مصر وتخليها عن الاستقلال ورضاها بالتبعية المختارة. زرت الهند أربع مرات، لا وجود لشيء يشير إلى مصر إلا “الهرم وناصر”، وفي معظم الدول العربية طاردنا وصف “أولاد الكامب”، وكلما أثيرت مشكلة مع دولة عربية استدعيت معاهدة السلام فنكون “أولاد الكامب”. لم تنس فرنسا موقف مصر المساند للجزائر، فعاقبتها بالعدوان الثلاثي. ولم تكن العشرية السوداء بعيدة عن فكرة عقاب الجزائر، منصة إعلان “الدولة الفلسطينية” (1988).

أستعير سؤال الندوي “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟”، وأتساءل عن خسارة القضية الفلسطينية “بانحطاط مصر”. لا تحتاج الإجابة لأكثر من قراءة المشهد بعد كامب ديفيد، في انفتاح إسرائيل على عالم كان سندا لقضية فلسطين. أنهى السادات القطيعة فمد العالم يده لإسرائيل بحجة أن مصر عقدت معها سلاما. كان للسلام ثمن باهظ، بعيدا عن الكبرياء، هناك “كسرة النفس” بانحسار الإرادة الوطنية. شهادة إسماعيل فهمي وزير الخارجية، حين رفض زيارة السادات للقدس، تسجل صلابة تنطلق من حساب الأرباح والخسائر، فالزيارة “ستؤثر عكسيا على: الأمن المصري، وعلاقة مصر بالدول العربية الأخرى وتكاملها معها… كانت لهذه الزيارة آثار مركبة على الكيان العربي كله.. كمفعول الزلزال.. لذلك لم يكن غريبا أن تبدأ إسرائيل، ولأول مرة بعد زيارة السادات للقدس، وتحت راية السلام، بالعربدة في الضفة والقطاع… ثم تغزو لبنان”. أبلغ الوزير السادات بخطورة أمرين: الاعتراف بإسرائيل، وإنهاء حالة الحرب، “فنحن نلعب بكارتين أساسيين في السياسة دون أن نجني أي شيء، فالمكسب كله يعود لمصلحة إسرائيل”. واستقال قبل يومين من رحلة السادات.

تطبيق التوقع السابق كتبه محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية، حيث اتصل تليفونيا بالسادات صباح اليوم التالي لغزو إسرائيل لجنوب لبنان (مارس 1978)، ليعرض عليه بيان وزارة الخارجية حول الاجتياح، وممارسة “عملية إبادة منظمة للفلسطينيين”. كان السادات نائما، وفي الحادية والنصف ظهرا كلم الوزير، وسأله عن سبب اتصاله في الصباح، فقال الوزير إن الأمر يخص العدوان الإسرائيلي، “فقال السادات ضاحكا: هل أعطوهم العلقة ولا لسه؟ ولم يخطر ببالي ما يقصده فقلت متسائلا: أفندم؟ فقال: يعني أدبوهم ولا لسه؟ وفهمت أنه يقصد إن كان قد تم للإسرائيليين تلقين الفلسطينيين درسا بسبب العملية التي قام بها الفدائيون داخل إسرائيل منذ أيام. وكان الدم يندفع إلى شرايين رأسي وأنا أجيبه: حدث العكس ولقن الفلسطينيون الإسرائيليين درسا. وشرعت أقص عليه آخر المعلومات التي وصلتني عن المقاومة الباسلة التي يتصدى بها الفلسطينيون والقوى الوطنية اللبنانية للهجوم الإسرائيلي”. وينقل إسماعيل عن مذكرات وزير الدفاع الإسرائيلي عيزرا وايزمان “المعركة من أجل السلام” أن السادات دعاه إلى الإسماعيلية عام 1978 وأبلغه التالي “استبعدت منظمة التحرير من قاموسي”، سأله وايزمان “أفهم أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية؟ فأجاب السادات: تماما لا دولة”. ولم يصدق وايزمان وكتب في مذكراته أنه أصبح “في حالة نفسية أفضل؛ فالرئيس المصري شأنه شأننا ليس مهتما بدولة فلسطينية”.

القضية الفلسطينية تخص أصحابها، ولا داعي لمن فشلوا في إدارة بلادهم أن يسدوا نصائح، من المؤكد أن طعنات أصحاب الأرض لن تنهي المشروع الصهيوني، ولكنها تؤكد أن للأرض أصحابا يراهنون على استعادتها، ولهم في درس استقلال الجزائر عبرة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر