الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

كائنات تكنولوجية

المشكلة الحقيقية ليست في أن التكنولوجيا الرقمية قد أصبحت في متناول الجميع، بل في أن التكنولوجيا هي التي أصبحت تدير حياة البشر، في حين كان من المفروض أن يدير البشر التكنولوجيا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/11/06، العدد: 10089، ص(21)]

قبل عدة قرون قال عالم الاجتماع العربي عبدالرحمان بن خلدون إن “الإنسان اجتماعي بطبعه”، بمعنى أن البشر ليس بوسعهم العيش بمفردهم أو بمعزل عن أبناء جنسهم، ولكن يبدو أن الزمن قد عفا على هذه المقولة، فالسائد اليوم أن أغلب الناس لم يعودوا في حاجة إلى علاقة واقعية تفاعلية مع بني جنسهم، بعد أن منحتهم التكنولوجيات الحديثة العديد من البدائل في عالمها الافتراضي.

وتحت تأثير سحرها العجيب أصبح من يعيشون معنا في محل غياب في جل الأوقات، إما بفعل انشغالنا عنهم أو انشغالهم عنا بمن تربطنا وتربطهم بهم مجرد أسلاك وذبذبات.

لم يعد أغلب أفراد الأسرة الواحدة يتقاسمون مع بعضهم مشاعر الأفراح والأتراح، ولا تجمعهم المناسبات واللمات العائلية كما في السابق إلا نادرا.

للأسف، قلوب البشر لم تعد تهفو إلى اللمات المباشرة مع الأحبة والأصدقاء، بالقدر الذي قد تنبض فرحا إذا أتيحت لها الفرصة لخلوة مع الكمبيوتر أو الهاتف.

اليوم وبعد أن استحوذت التكنولوجيا الرقمية على قلوبهم وامتلكت أوقاتهم، أصبح الكثيرون يعقدون اجتماعاتهم العائلية على المواقع الاجتماعية.

وحتى الآباء والأمهات لم يعودوا يعتمدون على غرائزهم في تربية أبنائهم، بعد أن وجدوا أنفسهم محاطين بكم هائل من التطبيقات الجديدة التي سهلت عليهم أداء أدوارهم التربوية عن بعد.

وعلى الرغم من حث العلماء الناس على إعادة التفكير في طريقة تعاملهم مع التكنولوجيا والوقوف على مدى تأثيرها السلبي أو الإيجابي في حياتهم، فالسائد أن الناس في مختلف دول العالم، قد تخلوا عن حياتهم الواقعية واتجهوا للعيش في العوالم الافتراضية، ومنها أصبحوا يؤدون أدوارا مختلفة، وفي اللحظة التي يعودون فيها إلى الواقع لا يفكرون إلا في موعد أخذ الجرعة الثانية من الإنترنت.

وأغلبنا يمتلك في الوقت الحاضر ثلاثة أو أربعة أجهزة رقمية في المتوسط، ولكن ربما في المستقبل القريب سيزداد هذا الرقم إلى مئات.

والمشكلة الحقيقية ليست في أن التكنولوجيا الرقمية قد أصبحت في متناول الجميع، بل في أن التكنولوجيا هي التي أصبحت تدير حياة البشر، في حين كان من المفروض أن يدير البشر التكنولوجيا، فتلاميذ المدارس على سبيل المثال، لا يمكنهم التخلي عن الأجهزة اللوحية لأنها جزء من مقررهم الدراسي، وتستعين بها الشركات والمؤسسات لإنجاز أعمالها والتواصل مع موظفيها المتواجدين في مواقعهم المختلفة، ويستعملها الكثيرون للتواصل فيما بينهم، ولا أحد منهم يمكنه أن يعيش ليوم واحد منفصلا عنها.

بالفعل، لقد اختصرت تكنولوجيا الاتصالات المسافات والوقت وسهلت علينا عدة أمور، ولكنها أيضا ساهمت في تعقيد حياتنا، ولا غرابة أن تحولنا في يوم ما إلى كائنات تكنولوجية، بعد أن أصبحنا نعتمد عليها بشكل مفرط، ونتطلع إلى كل ماهو جديد فيها، ولا نتنفس الصعداء إلا بامتلاك آخر الصيحات.

ويبدو أن راي كورزويل مخترع أجهزة التنضيد المسطحة محق حينما قال إن “الحدود بين الخيال والواقع ستتضاءل”.

كما لم يجانب الفيلسوف كريستوفر بوتر الحقيقة عندما أكد في كتابه الذي يحمل عنوان “كيف تصنع بشرا” أن “البشر لم يكونوا قط جزءا من الطبيعة، بل كانوا دوماً جزءا من التكنولوجيا”.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر