السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

دولة 'معا' للصيد الجائر

ليس غريبا أن تفيض المياه في بغداد، لأن الحكومة والنظام، وبحلقة أصغر أمانة بغداد، ليست لها سلطة تنفيذ الأفكار والبرامج والرؤى المتقدمة، لأنها مصابة بالشلل والعوق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/11/06، العدد: 10089، ص(8)]

صيف يمضي وشتاء يلحق به، احتجاجات وغضب وشتائم وأعصاب تالفة في يوليو، ترافقها تضحيات منظورة بسيطة بالأرواح وأخرى غير محسوبة أكبر بكثير، لأنها نتائج وفروع لتردي الخدمات وزيادة الأمراض، خاصة لكبار السن والأطفال.

فيضان الفرات ودجلة أو زيادة المناسيب تحدث في موسم الشتاء، وكانت الدولة العراقية وأجهزتها بما فيها الجيش يساهمون بالجهد الهندسي لسد الثغرات وتحصين الأماكن الرخوة أو المنخفضة من النهر ومساعدة الناس، والفيضان لا يقل خطرا عن الحرب، ويدخل ضمن باب الكوارث الطبيعية، لما يسببه من تهجير وغرق وموت المواطنين وتدمير المحاصيل الزراعية.

الخبراء المعنيين بشؤون البيئة والمهتمين بمستقبل الكوكب يرون في الفيضانات، إعادة إنتاج وإصلاح الطبيعة لنفسها، من تثبيت للتربة وإنبات نوعيات خاصة من المزروعات البرية الملائمة للرعي، أو إدامة النمط المناخي وتقليل الفوارق حتى في كميات الأمطار النازلة ضمن معدلاتها مع استقرار في درجات الحرارة، وعملية بزل طبيعية للأملاح، وتوفير المياه وحقنها في جوف الأرض.

دول كثيرة تصرف الأموال الطائلة لتحقيق مثل تلك الامتيازات بمشاريع عملاقة، تتدخل فيها السياسة وتشتعل فيها الأزمات، ويذهب بعض العلماء إلى مناهضة فكرة بناء السدود لما في ذلك من أخطار واقعية، وبما يعرف بتشويه براءة سلوك الطبيعة، ومنع أو إيقاف تجديدها، وهنا أكبر مخاطر محاذير لافتة الاحتباس الحراري، التي أصبحت هما للحياة البشرية، يستدعي الالتزام والوعي والإنفاق المستديم لتحجيم الأضرار.

شاهدنا بغداد تغرق دون فيضان، إنما بفعل الأمطار الغزيرة والسريعة، المشهد يتكرر عبر السنوات بتبادل أزمة الطاقة في الصيف مع عدم استيعاب شبكات المجاري لمياه الأمطار في الشتاء، والناس يحتجون في المحافظات ومازالوا يعتقدون أن لهم حكومة وبرلمان وقضاء تتمثل بهم صورة دولة، حتى الآن لا تسمع، ولا ترى، ولا تتابع الاحتجاجات، على الرغم من أن ساحة التحرير في بغداد قريبة من المنطقة الخضراء الحاكمة، وبإمكان ساكنيها أن يصعدوا فوق بناياتها، أو يتنزهوا في حدائقها ويفتحوا آذانهم ليسمعوا المتظاهرين أو المحتجين وينتبهوا لمطالبهم الحياتية المشروعة.

لكنها بصراحة منطقة تشبه بيتا سيء السمعة في منطقة سكنية، بيت محمي من السماسرة وشبكة حماية، وساكنيه لا يبالون إلا بمشاكلهم وتجارتهم، وإلا، كيف نفسر تغاضي تلك الشخصيات السياسية عن الإهانات البالغة التي تلحق بها من المتظاهرين وتحط من بقايا كرامتهم أو كبريائهم الشخصي.

سلطة تمضي في برامج حكم عقيمة وجاهلة، ولا تقيم وزنا لقضايا شعب طحنته الأحداث ومزقته رياح التعصب والاصطفافات الطائفية والخارجية ومصالح الأفراد والأحزاب وشراهة جوعها العتيق للمال والوجاهة والسلطة.

على مواقع التواصل تنتشر حقائق الفصل المباشر بين السلطة الحاكمة والشعب وسخرية مرة وكوميديا سوداء توزعت بين الضحك والبكاء، وابتكار صور المفارقة بين التقدم الحضاري العمراني والاجتماعي في العالم، وبين وطن كان بالإمكان جدا أن يكون رائدا في التنمية الشاملة.

تستمر المعاناة الإنسانية للعوائل المستقرة في بيوتها، وتستمر المأساة الانفجارية للنازحين في المخيمات إلى حدود الموت تحت الأمطار. عمليا، تذهب الأنظار إلى أمانة بغداد، لأنها الجهة ذات العلاقة بالمجاري، وعلى الرغم من كادرها الكبير ومعداتها، فإنها تقف عاجزة أمام كمية الأمطار وطاقة الاستيعاب لها. يتبدل المسؤول والتبرير واحد: قلة الموارد المخصصة، وسعة المجاري لا تكفي، وعدم تعاون المواطن.

من ملاحظاتي الشخصية، ولأنني واحد من عشاق بغداد وأهلها، فقد سعيت وبجهد إلى تبادل الأفكار مع المعنيين في أمانة مدينتنا الخالدة، وكانت ملاحظاتي شبه متطابقة لرؤيتي مجمل الأخطاء أو الخلل البنيوي في نظام الحكم.

تصطدم المشاريع الاستراتيجية ومنها المجاري، وهي من البنى التحتية المهمة في كل مدينة تؤسس لغدها وحياة سكانها، بمعوقات التخطيط بعيد المدى الذي يأخذ بنظر الاعتبار الزمن وتوسع العمران والنمو السكاني.

مدن مثل لندن وباريس تعطينا تصورا لما نعنيه، ورواية البؤساء وأحداث الثورة الفرنسية، أحد أهم فصولها، الهروب داخل مجاري المدينة وهي بسعة بناء ومداخل ومخارج تدعو للعجب.

قوانين الاستثمار معوق كبير، فما زالت دوائر الدولة المعنية بالتطوير والتحديث تعتمد على التعاقد مع الشركات والمناقصات التي تدور حولها الشكوك دائما، وأحيانا هذه الشكوك تتحول حتما إلى عائق أمام التصرف الحر، وبما يعرف بالفضاء القضائي الذي يتحرك بالأخذ والتعاطي لسرعة إنجاز المشروع وضمن المواصفات والشروط، وتتكفل بذلك شركة قضائية متخصصة راعية ومحكمة لا سبيل فيها للتلاعب أو الرشاوى والعمولة وهي صفة المعاملات والتعاقدات في الدول النامية، وتم استحداث دائرة المفتش العام كجهة رقابية معرقلة لإنجاز أي مشروع، لأنها، ببساطة، تمارس التدقيق كوظيفة تحقيق وليس كطرف تيسير ونزاهة، والتلاعب عادة يحدث في الإنجاز والمواصفات.

الاستثمار المطلوب في العراق، يعني حث المستثمرين على إنجاز المشاريع وجني الفائدة وتشغيل الأيدي العاملة وتحويل الأموال وتشجيع المتميز منها ومنحها حق الأولوية في مشاريع مختلفة، والاعتماد على شركات بسمعة رصينة لها تاريخ وصحيفة إنجازات في دول أخرى.

أما حكومة، بأحزاب وسياسيين استجلبوا المحتل وسلموا العراق إلى إرادات خارجية ويحاولون إقناعنا أن تسهيل الاستثمار تغلفه منافع الاستعمار، فتلك مفارقة لا يتحملها عقل مواطن غارق في المياه والأسى وقلة الحيلة.

أكثر من اثني عشر عاما على حكومات الاحتلال، والنفط مصدر طاقة للسرقات العامة للأحزاب والأفراد والشركات الوهمية وعقود التزوير، وللصراعات التي أودت بحياة المواطن وجرّدته من أبسط حقوقه في الأمن والعيش الكريم.

ليس غريبا أن تفيض المياه في بغداد، لأن الحكومة والنظام، وبحلقة أصغر أمانة بغداد، ليست لها سلطة تنفيذ الأفكار والبرامج والرؤى المتقدمة، لأنها مصابة بالشلل والعوق، والأهم فقدانها للانسجام، وهو عنصر تفتقده السياسة والمؤسسات والإدارة العامة للعراق.

يمضي الصيف بلا كهرباء، ويحضر الشتاء بالأمطار والكهرباء “معا”، وهكذا قتل الشاب محمد كاظم وآخرين صعقا وغرقا.. حتى في صيد الأسماك، القوانين الدولية تحاسب على الصيد الجائر.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر