الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

المغرب يطوي ملف السلفية الجهادية

الدولة تركت ملف السلفية الجهادية يختمر بشكل تلقائي دون أن تنجر إلى أي تكتيك سياسي من شأنه أن يحول هؤلاء السلفيين إلى ناطقين باسم مشروع سياسي أو عقدي معين.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/08، العدد: 10091، ص(4)]

أفرج العاهل المغربي عن أكثر من ثلاثين معتقلا في ملف ما يسمى بالسلفية الجهادية في المملكة بمناسبة الذكرى الأربعين لحدث المسيرة الخضراء وذلك في مبادرة لم تكن متوقعة، خاصة وأن العفو الملكي شمل أسماء أصبحت معروفة في الوسط السلفي الجهادي منذ اعتقالها مثل حسن الخطاب زعيم التنظيم الذي أطلق عليه “أنصار المهدي” الذي تم اعتقال أفراده عام 2006، وعبد القادر سوماح أحد المنتمين إلى جماعة كانت تطلق على نفسها اسم “حركة المجاهدين المغاربة”؛ هذا علاوة على عناصر كانت تنتمي إلى خلية يوسف فكري الذي يعد أبرز التكفيريين في الموجة التي تم اعتقالها عقب تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وحكم عليه بالإعدام وتم استثناؤه من قائمة المستفيدين من العفو الملكي.

تعدّ مبادرة الملك محمد السادس، التي تأتي بعد آخر دفعة من السلفيين استفادت من العفو الملكي عام 2010 إبان تفجر أحداث الربيع العربي، بمثابة مؤشر هام على عزم الدولة طيّ هذه الصفحة بشكل نهائي مع الإبقاء على المعتقلين السلفيين المتورطين في قضايا الدماء أو قضايا القتل رهن الاعتقال بسبب اقترافهم لجرائم ضد الآخرين. وهو المبدأ الذي اشتغلت عليه الدولة منذ بضع سنوات عندما بدأ النقاش حول مآلات هذا الملف، حيث تم وضع معايير محددة من لدن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، المجلس الوطني حاليا، ووزارة العدل تتضمن الاعتراف بالمؤسسة الملكية ومؤسسة إمارة المؤمنين وتأكيد العزم على التخلي عن الفكر المتطرف والإقرار بالثوابت الدينية للمملكة كالعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، ثم طلب العفو الملكي كتابة وتوجيه رسائل بكل ذلك إلى المجلس. وأطلقت هذه الخطوة، في تلك الفترة دينامية واسعة وسط المعتقلين السلفيين وعوائلهم، حيث تلقى المجلس ووزارة العدل المئات من الرسائل التي يطلب فيها المعتقلون العفو الملكي ويعربون عن نيتهم التخلي عن الأفكار المتشددة.

بيد أن الملك محمد السادس ما فتئ يدعو، خلال السنوات القليلة الماضية، إلى الالتزام بثوابت المملكة وعدم التسامح مع الفكر المتطرف، وفي شهر أغسطس الماضي، بمناسبة ذكرى جلوسه على العرش، دعا بصريح العبارة إلى رفض المذاهب القادمة من خارج البلاد، سواء من الشرق أو من الغرب، على اعتبار أنها تهدد ثوابت المملكة المتعارف عليها تاريخيا وصارت محط إجماع، وهو ما يعني رسم الإطار العام لأيّ توجه ديني يريد أن يحظى بتسامح الدولة ووضع الخطوط الحمراء على الأفكار المتشددة، كما كان ذلك التصريح بمثابة تأكيد ـمن باب المخالفةـ أن الثوابت الدينية للمملكة تنأى عن التطرف وتتفق ومبادئ الاعتدال والوسطية والتسامح والتعايش الديني.

لقد نجح المغرب، منذ أن طرح ملف السلفية الجهادية في بداية هذه الألفية، في عزل التيار السلفي المتشدد عن المشهد الديني العام في المملكة، بحيث ظل تيارا صغيرا على هامش التيار العام الذي يجمع على قواسم مشتركة، بالرغم من اختلاف المواقف المؤسسة على العقيدة الإسلامية. فهو لم يستطع أن ينتقل إلى مستوى يصبح معه حالة سوسيولوجية عامة، بحيث يصير بإمكانه أن يطرح نفسه مخاطبا قويا للدولة أو يشكل ضغطا سياسيا عليها بأي شكل من الأشكال كما حصل في بلدان عربية أخرى.

ولعل هذا ناتج بدرجة أولى عن الحضور السياسي والديني الطاغي لمؤسسة إمارة المؤمنين بوصفها منبعا للمشروعية والتي شكلت على الدوام جدارا عازلا ضد أيّ تيار ديني متطرف يسعى إلى ربط الدين بالسياسة من منطلق تفسيرات معينة لا يرضاها الإجماع العام في المملكة، سواء كان هذا التيار إخوانيا أو سلفيا أو صوفيا؛ ذلك أن هذه المؤسسة تلعب وظيفة تحقيق التوازن للحفاظ على الاستقرار وتتدخل كلما كان هناك خروج عن السير العام للخط الديني المجمع عليه، بالشكل الذي لا يسمح ببروز أيّ تيار ديني يمكنه إملاء موقفه على الآخرين أو استعمال الضغط الشعبي لابتزاز الدولة أو عزل أيّ تيارات أخرى منافسة، كما هو الشأن عندما يتعلق الأمر ـ على سبيل المثال ـ بالتوترات التي تحصل بين الإسلاميين والعلمانيين حول بعض القضايا الدينية كما حصل في السنوات الماضية حول قضية المرأة وموضوع الإجهاض، أو كما هو الشأن مع التيار السلفي عندما أراد في السنوات الماضية تسويق أفكار معينة عن الإمامة والسلطة أو عن مفهوم تطبيق الشريعة أو علاقة الدين بالدولة، حيث لاحظنا تدخل مؤسسة إمارة المؤمنين عام 2005 بتوجيه رسالة ملكية إلى المجلس العلمي الأعلى لطلب فتواه حول علاقة المصالح المرسلة التي ينص عليها المذهب المالكي بنمط التدبير الحديث للدولة المغربية، وجاء موقف المجلس مؤكدا للانسجام بين السياسة العامة للدولة وبين المصلحة المرسلة وفقا للمذهب الملكي. وقد أريد بتلك الفتوى قطع الطريق على التيارات المتشددة التي تسعى إلى مناكفة الدولة واتهامها بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية.

كل هذه الترتيبات التي أقدمت عليها الدولة، منذ انطلاق ما سمي بإعادة هيكلة الحقل الديني عام 2004، ساهمت في عزل وتطويق التيار السلفي الجهادي وتحويله إلى ملف مرتبط بالاعتقال على خلفية قانون الإرهاب وتجريده من أيّ مشروعية دينية أو سياسية كان هذا التيار يسعى إلى الحصول عليها منذ السنوات الأولى للاعتقال عندما كان المعتقلون يوقعون البيانات باسم “معتقلي الرأي والعقيدة”؛ لكن الدولة، من خلال تلك الإجراءات، نجحت في إفراغ هذا الملف من محتواه السياسي والعقدي، وهو الأمر الذي انتهى باقتناع المعتقلين السلفيين بأن الحل الطبيعي لمشكلاتهم هو طلب العفو الملكي والتوافق على الثوابت المجمع عليها.

هذا يعني، بالنسبة إلينا، أن الدولة تركت ملف السلفية الجهادية يختمر بشكل تلقائي ويعيد النظر في محدداته النظرية والسلوكية دون أن تنجر إلى أيّ تكتيك سياسي من شأنه أن يحول هؤلاء السلفيين إلى ناطقين باسم مشروع سياسي أو عقدي معين، أو أن يبلوروا ذلك في إطار تنظيم سياسي مهيكل داخل السجون.

فالدولة لم تفتح أيّ حوار رسمي مع هؤلاء المعتقلين كما حصل في بلدان عربية أخرى تم فيها خلق مؤسسات للحوار أو المصالحة أو المناصحة، وإن كان هذا الحوار قد تم من وراء حجاب وبشكل شخصي مع أفراد معينين ذوي أفكار سلفية متطرفة، غير أن هذا الحوار لم يتم الاعتراف به من أيّ طرف، زد على ذلك أنه لم يكن حوارا متساويا بين طرفين بقدر ما كان استراتيجية للإقناع تجاه السلفيين الغرض منها تصحيح بعض المفاهيم التي يؤمنون بها وشرح منهجية الدولة ورؤيتها لطريقة حل هذا الملف.

باحث مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر