الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

طباخ لبناني يعيد علاقة الانسان بالطعام

  • كتاب "مطبخ البيت اللبناني" أراده مؤلفه "الشيف" كمال مزوق أن يكون ناطقا بالإنكليزية، ليخاطب الغرب بلغة أخرى غير لغة الحروب السائدة في الشرق الأوسط، ويعطي القارئ فكرة عن أطعمة ونكهات مستقاة من السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/11/10، العدد: 10093، ص(21)]

كمال مزوق: نحن نصنع الطعام وليست الحروب

أحيانا نقتني كتابا للطبخ ونتفحص غلافه وصور الوصفات المعروضة فيه، ثم نركنه على رف من الرفوف، وتمضي الأيام دون أن نختبر ولو وصفة وحيدة من مجموعة الوصفات الموجودة في ذلك الكتاب الذي صرفنا على شرائه مبلغا ماليا لا بأس به، ولعل السبب في ذلك يعود إلى محتواه الروتيني ومكونات أطباقه المعقدة التي لم تحفز فينا الرغبة في طهي ولو طبق وحيد، ولكن كتابا صدر مؤخرا بالإنكليزية عن دار “كواري بوكس” قد يجعلنا نعيد النظر في علاقتنا بالمطبخ.

الكتاب لا يعرض مجرد وصفات مزوقة ومتزاحمة على صفحاته، بل خبرات عديدة وتجارب ثرية مستقاة من السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، جمعها صاحب الكتاب في أطباق صحية ولذيدة تعبق منها رائحة المطبخ التقليدي اللبناني.

عنوان الكتاب “مطبخ البيت اللبناني”، وهو من تأليف “الشيف” كمال مزوّق مؤسس سوق الطيب ببيروت، الذي اختار أن يكون كتابه ناطقا بالإنكليزية، ليخاطب الغرب بلغة أخرى غير لغة الحروب السائدة في الشرق الأوسط، ويعلمنا كيف نصنع الطعام بدلا من الحروب.

“مطبخ البيت اللبناني” ليس مزوقا فقط بصور الأطباق التي تسيل اللعاب، بل تتخله تلاوين من الثقافات والأديان اجتمعت لتؤلف خمسين وصفة رائعة من الصعب العثور عليها حتى في أرقى المطاعم الشرقية المشهورة بخدماتها الراقية وديكوراتها الفاخرة والتي قد تعرض في لائحتها مجموعة من الأطباق، وتسوق لها على أنها لبنانية في حين أنها لا علاقة لها بالمطبخ اللبناني، لا من قريب ولا من بعيد، ولكن إن رغب المرء في الاستمتاع بطبق لبناني أصلي وشهي يستطيع تعلمه بسهولة من طريقة كمال التعليمية، التي لا تشبه تأنيب الأمهات وحرصهن الكبير على أن يتعلم أبناؤهن، وخاصة الفتيات صنعة أيديهن، ولا تنفر أيضا من المطبخ بسبب كثرة التفاصيل والمكونات، إنها بسيطة وصحية، وفي الغالب نباتية وشهية.

وصفات مستقاة من طيبات الطبيعة وذكريات الحب الجميلة التي كان يتشاركها اللبنانيون الأوائل، أراد مزوق أن يخلدها ويذكر بها كل العالم في ثنايا صفحات كتاب “مطبخ البيت اللبناني”.

كل وصفة بالنسبة إلى كمال مزوق لا تحمل ديانة وإنما تحمل قصة عن تاريخ كل منطقة في لبنان وتقاليدها الغذائية

كل وصفة بالنسبة إليه لا تحمل ديانة، إنما تحمل في طياتها قصة تحكي تاريخ كل منطقة في لبنان وتقاليدها الغذائية، وتعرف الغريب وابن البلد على الكبة والتبولة والمحاشي وخبز التنور والمنقوشة بالزعتر والقريشة المصنوعة من القشدة والعسل ودبس العنب والخروب وكل الأكلات اللبنانية التراثية التي لم يعف عليها الزمن.

وكمال مزوق لا ينظر إلى الناحية الغذائية للطعام فحسب، بل أيضا إلى الرابطة المشتركة فيه التي تجمع جميع البشر، حيث يمكن أن تكون هناك خبرات عديدة متبادلة وذكريات جميلة في عملية الإنتاج الزراعي والتسوق والتسويق والإعداد والتحضير وحتى تذوقه.

ولعله السبب الرئيسي الذي دفعه إلى محاولة تجاوز الاختلافات والخلافات الثقافية والدينية والسياسية السائدة في مجتمعه، ويجمع اللبنانيين في أوقات رائقة على طاولة الطعام، فكانت فكرة “سوق الطيب” الذي افتتحه في عام 2004، ليوثق به علاقة اللبنانيين بالأرض وما تنتجه من خيرات، و يخلد ذكرى جميلة تجمع الأقدمين بالأجيال الحاضرة.

وقد اتجه السوق في بداياته إلى محاولة دعم صغار المزارعين في كل المناطق اللبنانية، ومساعدتهم على تسويق منتجاتهم التي تقوم على الزراعة العضوية بصورة خاصة والزراعة السليمة بصفة عامة، وإنقاذ المزارع البسيط من جشع الوسيط.

ويلتقي في السوق المزارعون ومنتجو المأكولات الصحية ليعرضوا مواد غذائية طازجة وخضارا وفواكه طبيعية، ومأكولات تقليدية تصل جميعها من المزارع أو من المنتج إلى المستهلك مباشرة.

وصفات مستقاة من طيبات الطبيعة وذكريات الحب الجميلة

ولا يهتم العارضون في “سوق الطيب” بالاضطرابات السياسية التي هزت البلاد في السنوات الأخيرة ووضعت الطوائف والمذاهب المختلفة في مواجهة بعضها بعضا، بل تتمحور اهتماماتهم حول كل ما له علاقة بالغذاء، ومن يقدم أفضل صحن من الكبة أو ألذ صحن من التبولة أو من يزرع بشكل أفضل الفواكه والخضار.

وقد رفض مزوق إقفال “سوق الطيب” خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان في صيف العام 2006 أو بسبب الاضطرابات السياسية التي عاشتها البلاد في السنوات الأخيرة.

وأثارت السوق إعجاب أنتوني بوردين أشهر الطباخين الأميركيين الذي قال عنها “أكثر ما يثير دهشتي هو ما يفعله كمال في سوق الطيب، إنه يجمع طباخين من مجتمعات وديانات وسياسات وأقاليم مختلفة في مكان واحد”.

وحقق سوق الطيب العديد من الأهداف الإنسانية، ففي عام 2013 أطلقت مؤسسة “أطايب زمان”، المؤلفة من شراكة بين “كاريتاس” و”سوق الطيب” مشروعا لمساعدة النساء من عائلات اللاجئين السوريين على إيجاد فرص عمل.

وكانت الغاية من المشروع المموّل من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إتاحة الفرصة للاجئات السوريات لاستخدام خبراتهن في الطهو بهدف تحسين مستوى معيشتهن وأيضا إحياء أساليب الطهو التقليدية في سوريا، وليكون ذلك متنفسا لهن من ضغوط الأحداث الدامية التي تشهدها بلادهن، وتحسسيهن بمعنى وجودهن، وفضلا عن ذلك تمكين اللاجئات المقيمات في لبنان والقادمات من مناطق مختلفة من سوريا من التعرف على بعضهن البعض.

وقد سبق لمزوق العمل مع سيدات فلسطينيات وعراقيات وساعدهن على تسويق أطباقهن التقليدية، ووصلن بالفلافل والتبولة ومناقيش الكشك والزعتر إلى اليابان وإلى العديد من البلدان الأوروبية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر