الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

مشاهد محذوفة من تاريخ الجمهورية الفارسية المتحدة

احتلال العراق أطلق أحلام دولة فارس الكبرى وأحلام دولة إسرائيل الكبرى، إنها أحلام تنام على وسادة واحدة ويتقاسمان الآمال والمصالح والأمنيات على حساب أمة العرب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/11/12، العدد: 10095، ص(9)]

أسرار كثيرة ستظل طي الكتمان أو النسيان أو التناسي من الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن الماضي، وما أفرزته من وقائع ونتائج أدت إلى استخدام العراق كورقة تقارب أميركي إيراني.

المخاطر المحتملة حاليا هي تصادم روسي أميركي على أرضنا بسبب المهمات العسكرية، لكن المخاوف قليلة جدا حتى في التحليلات السياسية والإعلامية من مواجهة مباشرة بين الطرفين، وهذا يتطابق مع الموقف الأميركي أثناء التجاوزات الصارخة للحدود العراقية من الجانب الإيراني في الفكة والعديد من المنابع النفطية والنقاط الحدودية كالشلامجة وغيرها، وكان العراقيون والعالم يتوقعون حدوث مناوشات ولو خجولة، لكن المحتل الأميركي كان يمرر وأحيانا يستنكر ويشجب مثل حكوماته المتعاقبة.

وتبادل الجانبان الأميركي والإيراني المختطفين والمحتجزين كرسائل غزل وتقارب ومماحكات انتهت بتسليم العراق إلى عدوه اللدود المهزوم في حرب الثماني سنوات.

أعاد الخبراء التذكير بمخاطر السلاح الكيمياوي بعد التأكد من استخدام مادة الخردل من قبل تنظيمات إرهابية وفي مكانين مختلفين، أحدهما ضد قوات من البيشمركة الكردية.

وفي الحرب على الأرض السورية كان السلاح الكيمياوي أحد الأوراق المثيرة في ملفات مصير النظام ومعادلة توازن القوى، ضربات متعددة بغاز السارين، ومجازر لم تحرك الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي كان يلوح بالبطاقة الحمراء بوجه النظام السوري مشترطا تجاوزه الخط الكيمياوي المحرم.

جرت مجزرة الغوطة الشامية، وبديلا عن العقاب تم تسليم الكيمياوي السوري بمشورة روسية وتعليمات ومباركة إيرانية، من آثار محصلتها اعتبار العرب ومصير شعوبهم أوراق تفاوض بين إيران وأميركا وكان الاتفاق النووي بين إيران و5+1.

إيران، بل والعالم يتعامل مع العراق وسوريا كسلة إيرانية واحدة، وما يجري في البلدين إنما انعكاس سياسي لهذا التصور، باعتبار إيران لديها مفاتيح الأحداث ومغاليقها وبيدها حلول أزماتها المتفاقمة.

لماذا غاب الكيمياوي الإيراني وآثاره في الحرب الإيرانية العراقية؟ كيف تم إخماد الأصوات العلمية المتخصصة والبحوث الاستقصائية باستخدام إيران للسلاح الكيمياوي؟

لذا تتردد أصداء إيران في كل محادثات تتعلق بالمعضلة السورية وغموض المصيبة الإيرانية الكبرى في العراق وتداعياتها القائمة واللاحقة في المنطقة.

حلم الوحدة العربية، خاصة بين مصر وسوريا والعراق، وما تحقق منه لشهور عدة في عام 1963، تم استبداله من الجمهورية العربية المتحدة إلى الجمهورية الفارسية المتحدة، وأصبحت إيران الشقيقة الكبرى بديلا لمصر.

الحقيقة أن احتلال العراق أطلق أحلام دولة فارس الكبرى وأحلام دولة إسرائيل الكبرى، إنها أحلام تنام على وسادة واحدة ويتقاسمان الآمال والمصالح والأمنيات والخصومات على حساب أمة العرب.

وفق الرؤية المنجزة، وأسلوب التحايل والمناورة والخداع والأكاذيب التي ميزت الأنظمة الثلاثة بقيادة ولي الفقيه الإيراني، يكون السلاح الكيمياوي السوري جزءا من كذبة تدمير السلاح الكيمياوي الإيراني وتوقيعه على اتفاقية الحظر الخاصة بالأسلحة الكيمياوية عام 1997، ولأن الساحة موحدة في اتِباع وصايا وإرشادات وإجراءات القرار الإيراني، فإن المشتركات بالنتيجة، على المجتمع الدولي أن يتعاطى معها كعناصر في مجموعة واحدة.

الجسور الجوية لنقل الأسلحة عبر الدول الثلاث والقيادات والعمليات والميليشيات وتدعيم المواقف وتوحيدها في المباحثات السياسية والأفكار، مع توفير كل وسائل الإعلام الممكنة لإظهار إيران كقوة ردع حاسمة للإرهاب، يقابل ذلك تغييب لكل المفاهيم والمثل التي تبنى عليها منظومات الدول.

لماذا غاب الكيمياوي الإيراني وآثاره في الحرب الإيرانية العراقية؟ كيف تم إخماد الأصوات العلمية المتخصصة والبحوث الاستقصائية باستخدام إيران للسلاح الكيمياوي؟ وكيف أُلغيت كل الوثائق المتعلقة بذلك؟ تحت تبرير أن صناعة وتطوير إيران للسلاح الكيمياوي كانا قوة ردعٍ للسلاح المماثل العراقي، كضرورة توازن قوى أثناء سنوات الحرب.

فمعظم الذين عاشوا سنوات تلك الحرب، يؤكدون استخدام إيران لسلاحها الكيمياوي في الجبهات، لكن تظل المعلومات منخفضة التأثير، لأن المنظمات الدولية قررت تحطيم الدولة العراقية، وإفراد إيران كقوة مستقبلية تخدم الطموحات الرأسمالية وأغراض الهيمنة على العرب والشرق الأوسط، وإظهارها كقوة صراع بديلة للعرب مع إسرائيل، وتطوع المرشد الإيراني بمهمة التصريحات النارية ضد إسرائيل، لأنها تناغي نبرة كل عربي ومسلم، أما التصريحات المطمئنة فتأتي على لسان رئيس إيراني، ولا يهم أن يكون بعمامة أو دونها.

في كل فرقة عسكرية ومقراتها المتقدمة من جبهة العدو الإيراني الفارسي في حرب الثمانينات، كانت أقفاص الطيور والكناري بعهدة أحد الجنود، ومنظر الطيور المحلقة في سماء المناطق العسكرية يدعو إلى الدهشة في واقع عسكري شديد الصرامة والانضباط، لكن الطيور كانت تعمل كأجهزة إنذار مبكر للضربات الكيمياوية المحتملة، لأن الطيور وبالذات الكناري تموت في بداية تأثيرات الهجوم الكيمياوي.

تم تدمير السلاح الكيمياوي العراقي قبل الاحتلال الأميركي، ومع ذلك استمرت تبريرات احتلال العراق بوجود أسلحة دمار شامل، وتم الاحتلال واعترف المحتلون والرئيس بوش الابن بتبني كذبة فادحة، وبالمقارنة أين منظومة الأخلاق للسياسة الإيرانية ونظام وليها وأخلاق النظام السوري وكيف أمكن تصديق نزع سلاحهما الكيمياوي كاملا بمجرد تعهدات، ولجان كما في الحالة السورية كان خط سيرها وتفتيشها مرهونا بإرادة النظام وخارطته؟

الخردل عاد إلى الساحة وقبله الكلور والسارين وهي استخدامات يمكن تداولها وصناعتها وإدخالها في صراعات الحرب وتفاعلاتها المخابراتية والسياسية، ولأن الوحدة قائمة بين دول الواقع الفارسي، فلماذا ننسى تلك اللعبة الساذجة للنظام الهزيل لنوري المالكي بعد ضربة الغوطة الشامية المأساوية؟

كيف خرجت علينا القناة الرسمية لشبكة الإعلام العراقي بخبر مُصَوَر لإلقاء القبض على مجموعة إرهابية تُصَنِّع غاز السارين كسلاح كيمياوي، بمعدات نظيفة، وأدوات معدة بتوصيات وإخراج مجموعة أغبياء، وكان أفراد المجموعة بتشكيلة أجسام موحدة ورؤوس مقنعة، وهكذا ذهب هؤلاء طي النسيان أيضا.

أين هؤلاء الآن؟ أين التحقيق والنتائج؟ أين الشريط المصور لهؤلاء؟ من هم؟ جنسياتهم؟ لماذا بعد ضربة الغوطة مباشرة؟ المنظمات المتخصصة بالكيمياوي لماذا لم تلتق بهم؟ أميركا لماذا لم تحقق؟

الحقائق تضيع وتختفي دائما لأنها ليست ضمن السيناريو، ومشاهد محذوفة من التاريخ عن قصد، بفعل الرقيب وتوقيتات ومدة العرض.

ما كتبته، مجرد ثقب صغير في سقف سجننا الكبير، لأن الرصاص الطائش المتطاير يصيب أدمغة الأبرياء ويفتح الأسئلة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر