الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

أين ذهبت وجوههم

للأسف، جل الوجوه اليوم لم تعد وفية لسماتها بعد أن لطختها المساحيق وغيرت الكثير في تقاسيمها مشارط الجراحين، تماشيا مع معايير المظهر وليس الجوهر.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/11/13، العدد: 10096، ص(21)]

كم جميل أن يعتني المرء بمظهره ونظافته ويكون مرتب الهندام، لأن ذلك يعزز نشاطه وحيويته ويجعله أكثر ثقة بالنفس، ويجلب له الاحترام والتقدير من الآخرين.

ولكن أبشع شيء أن يتحول المظهر إلى وسواس قهري ينغص علينا حياتنا، ويدفعنا إلى أن نعبث بأجسادنا ونغير الكثير في ملامحنا، عبر العمليات التي قد تفسد جمالنا الحقيقي وتجعلنا نسخا طبق الأصل من الدمى البلاستيكية المعروضة في السوق.

والأسوأ من ذلك كله، أن أغلب تلك العمليات لا يمكن أن تمر دون مشاكل وتبعات صحية، جراء خطإ طبي أو عيب في المواد المستخدمة، ومع ذلك يصر الرجال والنساء وحتى المراهقون على تغيير أشكالهم تماشيا مع معايير الجمال الاصطناعي، ولتكون سحنا تتماشى مع مبدأ العرض والطلب الذي أصبح يقيم الناس من خلال ما يظهرون في مختلف الميادين والقطاعات.

والكثيرون اليوم لا يهتمون للمخاطر وللآلام التي يمكن أن تخلفها العمليات التجميلية، لأن عدم الرضا عن الشكل والخوف من الرفض يجعلانهم يتحدون كل شيء من أجل تحقيق طموحهم في التغيير للأفضل.

ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فأغلب هؤلاء إن لم تكلفهم تلك العمليات حياتهم، فإنها في أحسن الأحوال تمنحهم ملامح باهتة، تماما كما حدث مع الممثلة الأميركية رينيه زيلويغر التي غيرت وجهها كليا بجراحات تجميلية عديدة، مما جعل الإعلاميين والمعجبين يتساءلون: أين اختفى وجهها؟

والأمثلة لا تعد ولا تحصى من أوساط المشاهير أو حتى من خارجها، ممّن أصبحوا يحملون ملامح غريبة حتى عنهم هم، يختبئون فيها من أنفسهم ومن الآخرين.

للأسف، جل الوجوه اليوم لم تعد وفية لسماتها بعد أن لطختها المساحيق وغيرت الكثير في تقاسيمها مشارط الجراحين، تماشيا مع معايير المظهر وليس الجوهر.

لقد أصبح الجمال الخِلقي وليس الخُلقي من المعايير المهمة التي تساهم في تحديد مكانة الأشخاص ومنزلتهم في المجتمع، بغض النظر عن ثقافتهم ومؤهلاتهم العلمية، ففي مجال التعليم على سبيل المثال، يميل الأساتذة والمعلمون إلى التلاميذ أصحاب الوجوه الجميلة والمظهر الأفضل، وبطبيعة الحال ينعكس ذلك على التقييمات والدرجات التي تمنح لهم، وهذا من شأنه أن يصيب زملاءهم بالإحباط ويفقدهم الحماسة وحب التعلم.

ولم تجانب الباحثة الأميركية في علم النفس ليزا سلاتري ووكر، الحقيقة عندما قالت إن من يتمتع بمظهر جميل أو وسيم "يظل يُوهَب منافع ومزايا طيلة حياته، بدءا من فترة دراسته وحتى يصل إلى مكان عمله".

وربما من الصعب أن يقر الكثيرون بأنهم يقيمون الأشخاص بناء على شكلهم الخارجي، ولكن الدراسات أثبتت أن الناس الذين يتمتعون بالجاذبية يربحون المال بنسبة 12 بالمئة أكثر من الأشخاص العاديين.

وهذه المشكلة من الصعب التغلب عليها في جل المجتمعات، لأن ذلك يتطلب إحداث تغيير في الثقافات المعتمدة في تربية النشء منذ الصغر، وتعليمهم تقدير الذات واحترام الآخر، وهي مبادئ غير فطرية كما لا يمكن أن تورث من الآباء إلى الأبناء، حتى يتسنى القضاء نهائيا على كل أشكال التمييز بين البشر، لأن أهم شيء في الإنسان هو جوهره وليس شكله.

أو كما عبرت عن هذا المعنى الكاتبة الأميركية دوروثي باركر ببلاغة رائعة بقولها “الجمال ليس إلا قشرة خارجية رقيقة، أما القبح فهو متغلغل في المرء حتى العظام”.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر