الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10840

البارون والمدام والحزام

التفكيك المستمر لما حولنا، يقول إنه لا شيء يحدث دون نية أو قصد، جمال المدن والمشاريع الحضارية وربما حتى كلمات المَدامْ عن الحِزامْ.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/11/13، العدد: 10096، ص(24)]

زرنا باريس بعد أن ضربها الإرهاب العام الماضي، وكانت قد تغيرت وأصبح انتشار الشرطة العلنية والسرية فيها كثيفا جدا، وباتت الحركة فيها غير يسيرة، فقلنا لنجرّب التنقل بميترو المدينة العريق، ميترو باريس ما غيره الذي ذكره إميل زولا في روايته “بطن باريس “.

وفي بطن باريس، كانت زوجتي مشغولة البال على الصغار، فلا بدّ من إبقاء الأنظار عليهم باستمرار، ولكنها مطمئنة على الطفلة الصغرى في العربة، فهي بأمان طالما يدفعها أحدنا، وحين جاء دوري، كنا قد انتقلنا من محطة إلى أخرى، وما أن ركبنا حتى وجدنا حولنا قرابة العشرين شرطيا، مدجّجين بالسلاح، لا لشيء ولكن تحسبا فقط، فلم تكن قد مضت سوى أيام على حادثة شارلي إيبدو، والكل مستنفر.

لا شيء يقلق، فلا إشكالات لدينا، غير أن المناخ العام والحذر المتبادل وملامحنا العربية الواضحة، أمور تجعل الشرطة تبدو وكأنها في حالة تأهب، وفي تلك اللحظات التاريخية، تذكرتْ زوجتي أن عليها تنبيهي إلى أمر هام لا يحتمل التأخير، فأشارت إليّ بعينيها بحركة غامضة، وقالت بصوت جهوري “الحِزامْ”، فساد صمتٌ رهيب.

جمّدتُ في مكاني، وادّعيت أنّي لم أسمع، ونظرتُ من نافذة الميترو في الاتجاه الآخر، لكنها كرّرتْ “الحزام”، فالتفتَ نحونا ثلاثة رجال شرطة يشبهون الجنرال ديغول طويلي القامة وبنظارات سوداء، واضعين أيديهم على خواصرهم حيث الأسلحة، لكن زوجتي لم ترَ هذا كلّه، وكرّرت “الحزام، صار وقت الحزام”.

تحوّل لوني إلى الرمادي الشاحب، فالكلمة لها رنين، لا يمكن أن تفهمه كتيبة الشرطة المحيطة بنا بحسن نية، وريثما أشرح لهم أسرار اللغة العربية، التي تعطي لكلمة واحدة معانٍ عدة، سيكون قد فات الأوان، فالحزام الذي قصدته زوجتي، كان حزام الأمان لعربة طفلتنا، والحزام الذي تدرّبت الشرطة على الانقضاض عليه، هو حزام المتفجرات والديناميت، الحزام الناسف.

كنت الوحيد الذي يحسب الحسابات، بينما انشغل الآخرون كلٌّ بليلاه، ومضت الأمور بقدرة قادر على خير، وعدت إلى التفكير في زمن القرن التاسع عشر.

“لقد تمكنتُ حينها من بقر بطن باريس القديمة، الجانب العصي والثائر من المدينة”، لم أكن أنا من قال هذه الكلمات، ولكنه البارون هوسمان الذي أعاد تصميم باريس، في عهد الإمبراطور نابليون الثالث بهدف وحيد، وهو منعها وحرمانها من إنتاج الاحتجاجات الاجتماعية من جديد، وتسهيل حركة البضائع وقوات الأمن إلى أي مكان فيها، فباتت الساحات العامة (الجغرافية والاجتماعية) متقاطعة مع مسارات حركة الشرطة وسلطة الدولة بشكل سلس، الأمر ذاته فعله المهندس الفرنسي ميشيل إيكوشار بمدينة دمشق، فكان هو داعش ذلك الزمن، مبيدا الآثار والمعالم.

العقل القديم يقول لنا إن الأمور كانت تجري على “السُبحانيّة”، وعلى بركة الله، وأنه لم يكن هناك أي نوايا أو مؤامرات خلف القصص، لكن التفكيك المستمر لما حولنا، يقول إنه لا شيء يحدث دون نية أو قصد، جمال المدن والمشاريع الحضارية وربما حتى كلمات المَدامْ عن “الحِزامْ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر