الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

تونس وكيري.. والرهان على الحصان الخاسر

الحصافة السياسية هي البحث عن شركاء عسكريين حقيقيين لا يعاملون الإرهاب وفق منطق البراغماتية السياسية ولا يفاضلون بين إرهاب وآخر.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/11/14، العدد: 10097، ص(9)]

أربعة معطيات خبرية تثير الامتعاض والتحفظّ حيال زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى تونس أمس الجمعة، أوّلها تصريح مسؤول دبلوماسي أميركي كبير لوكالات أنباء عالميّة بأنّ كيري سيبحث مع المسؤولين التونسيين آليّات مساعدة واشنطن لتونس على تأمين حدودها.

ثانيها تأكيد السفير الأميركي في تونس دانيال روبنشتاين على أنّ بلاده مستعدة لمواصلة تعزيز القدرات العملياتية للجيش التونسي عبر “التكوين” و“التدريب”.

ثالثها تشييد أكبر أكاديمية للشرطة في تونس، قرب مطار النفيضة، بشراكة أميركية وإعلان مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون الدولية وليام براونفيلد عن أنّ بلاده تعمل على توفير التدريب الحديث لقوات الأمن التونسية وتكوين مدربين على أعلى مستوى من المهنيّة.

رابعها توسعة الدولة التونسية لمطار قفصة الدولي برسم 10 مليون دينار حتى يكون جاهزا، وفق تحليلات دقيقة، لاستقبال الطائرات الكبيرة والثقيلة.

كلّ هذه المقدمّات الواقعية تجعل من زيارة قائد الدبلوماسية الأميركية إلى تونس زيارة “أمنية عسكرية” بامتياز وتنفض عنها غبار ديباجات الدعم الاقتصادي وضمان منح تونس قرضا بقيمة 500 مليون دولار لدعم اقتصادها المتهاوي على وقع الأحداث الإرهابية في سوسة وباردو.

ومن الواضح، أيضـا، أنّ القلق الذي تبديه دول الجوار من اتساع الحضور الأميركي في تونس له ما يدعمه على أرض الواقع، فاختيار جون كيري لتونس كمحطة خـارجية مغاربية وعربية وحيدة ضمن جولته التي ستحملـه اليـوم السبت إلى فيينـا وغدا إلى تركيا، يتنزّل في سياق الأهميّة الاستـراتيجية التي تحظى بها تونس في العقل الاستراتيجي الأميركي كدولة تمثّل تكريسا للنموذج الأميركي في شكل الـدولة من حيـث “قبـول الإسلاميين” في الحكم أو المعارضة، وبناء اقتصاد السوق، وعدم التناقض مع إسرائيل في المنطقة العربية، ويبدو أنّ تونس باتت اليوم النموذج شبه الديمقراطي الجمهوري الوحيد في العالم العربي بعد أحداث ربيع 2011.

ولئن كان من حقّ واشنطن أن تقارب العالم العربي، بما فيه تونس، وفق منطق مصالحها الاستراتيجية وقوتّها الناعمة المتآكلة باطراد، فإنّ من واجب القائمين على القرار الوطني في تونس أن يحيطوا الرأي العام الوطني والمغاربي بكافة تفاصيل التعاون الثنائي في ملف حساس هو بطبيعته مترامي التداعيات ومتمدد الاستتباعات.

ولئن كان أيضا من حق المسؤولين التونسيين أن يرحبوا بالتعاون الأميركي في ظلّ فتور مغاربي عربي، فإنّ من واجبهم النظر والاعتبار من شواهد التجارب الأميركية في التعاون الأمني ضدّ الإرهاب انطلاقا من الصومال الذي بات اليوم دولة فاشلة، إلى العراق الذي أصبح اليوم مرتعا لكافة الجماعات التكفيريّة والتنظيمات الميليشياوية، ومنه إلى أفغانستان التي أصبحت حاليا معقلا لتكفيريي طالبان، دون نسيان مشاهد إطلاق النار ضدّ المدربين الأميركان في الأردن وباكستان والتي تعبّر في العمق عن إعلان سخط جراء عدم جدوى الوجود الأمني الأميركي.

ولئن كانت هذه هي الحصيلة الأميركية في التعاون الأمني ضدّ الإرهاب، فإنّ من باب الحصافة السياسية البحث عن شركاء عسكريّين حقيقيين لا يعاملون الإرهاب وفق منطق البراغماتية السياسية ولا يفاضلون بين “إرهاب” وآخر، وألا تبقى البلاد مراهنة على حصان خاسر في كافة مفاصل الحرب على الإرهاب.

ثلاثة عناوين رئيسية تؤطر زيارة جون كيري لتونس، الأول تشجيع “النموذج” على البقاء والاستمرار والاستقرار حتّى بالشحنات الكهربائيّة.

الثاني عدم إخلاء المنطقة للنفوذ الروسي والصيني والهندي الباحثين عن مواطئ قدم راسخة في الحدائق الخلفيّة لأوروبا أولا، ولأميركا ثانيا المتخبطتين في أزمات اقتصادية هائلة.

والثالث دعم الحالة الأمنية التونسية من مواسم الهجرة التكفيرية من سوريا والعـراق، لا سيمـا وأن تنظيم داعش بات على بعد 70 كيلومترا فقط من الحدود الشرقية لبوابة رأس الجدير الحدودية مع ليبيا.

طيلة ثلاثة عقود على الأقل من حربها على الإرهاب، المعلنة على الأقل، عجزت أميركا عن إنهاء الحالة التكفيرية الإجرامية التي أصبحت اليوم تمسح جغرافيا عربية واسعة وتهدد بالتهام أخرى، بل الأكثر من ذلك حزمت واشنطن حقائبها سريعا وانتشلت جنودها تاركة الساحة والمساحة خاليتين للتكفيريين والجهاديين سواء في ليبيا أو العراق أو الصومال.

تونس تعاني اليوم من فقدان قيادة سياسية حقيقية قادرة لا فقط على حسن اتخاذ القرارات، وإنما أيضا على البحث وإيجاد الخيارات، فالزيارات الدبلوماسية، على أهميتها، أعجز من بلورة حلول طالما أنّ الدولة مفتقدة للاستراتيجيات والمقاربات.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر