الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

'دائرة' مسبار يغوص في قرارة النفوس البشرية ويحللها

  • فجأة وبلا سابق إنذار ولا أسباب من الممكن أن تجد مجموعة من الناس من مختلف الأعمار والانتماءات نفسها في عالم آخر، هؤلاء سيكتشفون للمرة الأولى، أنهم في عالم غرائبي لا إجابة فيه عن الأسئلة، ولا أحد يستمع لأصواتهم ونداءاتهم، هكذا تشاء المصادفات والمجهول، ولكن السؤال هو من يمتلك تلك القدرة التي من خلالها يستطيع أن يعزل مجموعة من البشر عن محيطها؟ أترى هو سرّ أم محض خيال علمي وتكهنات؟ فيلم “دائرة” للمخرجين آرون هان وماريو ميسكيوني يجيب عن هذه الأسئلة وأكثر.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/11/16، العدد: 10099، ص(16)]

المخطوفون ينتظرون أقدارهم في 'دائرة' لا ترحم

أسئلة كثيرة يطرحها فيلم “دائرة” (إنتاج 2015) من إخراج آرون هان وماريو ميسكيوني، وهو فيلم مختلف حقا واستثنائي، هنا ليس ثمة أماكن كثيرة يمكن الانتقال إليها، المشاهد الفيلمية كلها خاضعة إلى عالم كابوسي مغلق، وليس سوى تلك الدائرة الحمراء والدوائر الأصغر المخصصة لكل شخص من تلك الثلـة من الناس الواقفين بانتظار أقدارهم.

دراما فيلمية تتوزع على شخصيات متعددة كثيرة، بانتماءات وأعمار مختلفة، فيهم الأطفال والشباب والكهول، وفيهم الآسيوي كما الزنجي كما الأبيض كما المسلم كما الأوروبي، وفيهم ربة البيت والممثلة ورجل المصارف وجندي المارينز والشرطي والتلميذ والممثلة وغيرهم.. وكأنهم عينة عشوائية من الناس الذين يشقون طريقهم الصباحي إلى أعمالهم وإذا بهم هنا في عمق تلك الدائرة.

يوظف السرد الفيلمي تلك الدائرة وكأنها مسبار للغوص في قرارة الشخصيات وتحليلها وتحليل نوازعها.

ومع ذلك فالأهم هو ردود أفعالها وهي تواجه المصير المحتوم، القدر المتربص والموت السريع، ففي كل دقيقتين سيتم الإجهاز على ضحية من خلال قوة خارقة مجهولة في شكل شعاع قاتل، وقوة أخرى تسحب الضحية إلى المجهول، والأشخاص يشاهدون تلك التراجيديا برهبة، وكل منهم يريد أن يدفع جاره إلى الهلاك عوضا عنه. والقصة تتماهى تماما مع قصة ومعالجة فيلم “اثنا عشر رجلا غاضبا” للمخرج ذائع الصيت سيدني لوميه المنتج في عام 1957، والذي ينتمي إلى فئة الأفلام السوداء، هنا ثمة 12 قاضيا يتجادلون في إدانة متهم اقترف جرما، بينما في فيلم “دائرة” سيتضاعف عدد المتجادلين حول مصيرهم المجهول إلى أكثر من الضعف، وها هم يتساقطون تباعا وهم لا يعلمون أصلا، لماذا هم هنا؟ وكيف التقطهم الفضائيون؟

لعل هذا النوع من السرد الفيلمي الأقرب إلى روح الحوارات المسرحية، حيث المكان الواحد، وإيصال المعلومات يتم عن طريق وسيلة رئيسية هي الحوار ولا شيء غير الحوار، للكشف عن الشخصيات ونمو الأحداث والدراما، هذا النوع من السرد الفيلمي بحاجة إلى مزيد من الصبر مع ذلك الوقت الذي تمضيه الشخصيات في الجدال، لكن الموت المتربص بالجميع هو الذي سيرفع من وتيــرة تلك الدرامـا طاردا الإحساس بالملل.

الفيلم يقدم عينة عشوائية من الناس الذين يشقون طريقهم الصباحي إلى أعمالهم، وإذا بهم هنا في عمق تلك الدائرة

الموت المؤجل هو القوة الدرامية التي تحرك الشخصيات والأحداث، ولهذا سيجد القابعون في تلك الدائرة حلا مقترحا وهو أن يلجأوا إلى التصويت، أن يصوتوا لمن يرشحونه للموت، وكل منهم يحدوه الأمل في أن دائرة الموت لن تطاله. ومع ذلك فالتصويت لن يكون كافيا، ولهذا سيكون الأكبر سنا هم المرشحون للموت، لكنهم يحتجون أيضا، وهنا نكتشف الموت المتربص بجندي قادم توّا من حرب أفغانستان ويلتمس إعفاءه من الموت السريع حتى يرى عائلته، وكذلك تلتمس الإعفاء امرأة حبلى وتلك التي نجت توّا من مرض عضال، وآخر يحمل ميولا إلحادية بحضور أحد القساوسة الذي صادف وجوده ضمن تلك المجموعة.

أن تتكشف حقيقة الشخصيات في خداعها وعنصريتها، في مراوغتها وأنانيتها، في لا إنسانيتها، في نزعتها للإيذاء، هذه كلها وغيرها تتكشف، فيما الشخصيات بإمكانها أن تدفع إلى الموت حتى صبية صغيرة من أجل النجاة وحب البقاء.

هنا ثمة اشتغال عميق على الشخصيات، ذلك أنها لن تتدرج في ارتقائها الأزمة وتصعيد الدراما من خلالها، بل بالعكس ستكون في الذروة مباشرة وفي قمة التصعيد الدرامي، وعليها أن تعبّر عن تلك اللحظة الدامية الحاسمة بعمق.

ربما كان الانتقال من كهل إلى شاب إلى امرأة لعوب إلى آخر صارم إلى معاق إلى مراوغ إلى أناني إلى غير ذلك، تنويعا ملفتا للنظر في تلك السلسلة البشرية المحاصرة، التي يرافقها صخب المكان والموسيقى المنتقاة بعناية لتعبر عن تلك الضربة الموجعة بإعلان لحظة النهاية.

خلاصة القول أن هؤلاء الناس عدوانيون في ما بينهم بما فيه الكفاية ويضمرون شرا باتجاه بعضهم البعض، فلم يستطيعوا الاتفاق على موقف ينقذهم، بل كانوا يسخرون من بعضهم ولا يطيقون بعضهم، وبإمكانهم التخلص من الجميع من أجل نجاة شخص واحد وهو بالفعل كذلك.

الناجي الوحيد سيخرج إلى العالم الخارجي ويشاهد تلك المركبة الفضائية التي جاء بها الغرباء تحوم في سماء المدينة، ربما لانتقاء مجموعة أخرى يجري اختطافها وإلقاؤها في عمق تلك الدائرة المصيرية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر