الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

وعاظ الطائفية يغتالون ثقافة العراق

بقدر ما خرب الاحتلال العسكري بأدواته المباشرة قاعدة البناء المادي للعراق ونهب غالبية موجوده الحضاري (الآثار)، فإن أهدافه الأخطر سعت إلى تخريب البنيان المعنوي للإنسان العراقي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/11/17، العدد: 10100، ص(8)]

تعرض العراق خلال الاحتلال الأميركي 2003 إلى هجمة واسعة استهدفت البنيان التحتاني للمجتمع العراقي وهويته الثقافية، ومشروعه النهضوي. وتقاسمت هذا التخريب أدوات سياسية وثقافية وإعلامية مصادرها تبدو متناقضة ما بين الأوتوقراطي الإيراني والليبرالي اليميني الأميركي المتطرف، لكنها التقت عند هدف واحد هو إقامة وتنفيذ مشروع التمزيق الطائفي وكسر شوكة عناصر التنوير التي بنيت منذ ولادة النهضة العراقية بعد تأسيس دولته في العام 1921.

وبقدر ما خرب الاحتلال العسكري بأدواته المباشرة قاعدة البناء المادي للعراق ونهب غالبية موجوده الحضاري (الآثار)، فإن أهدافه الأخطر سعت إلى تخريب البنيان المعنوي للإنسان العراقي وقطع صلته الحية بموروثاته الحية في ضمير الإنسان. الخطر الأشد هو زرع ورعاية وتنمية الثقافة الطائفية، وتقديم نماذج واهنة ضعيفة انتهازية لتتصدر المؤسسات الثقافية والإعلامية في العراق، والعمل على قمع القامات الثقافية والأدبية والفنية العراقية وإزاحتها من الساحة، والضغط عليها لكي تهاجر خارج الوطن وتخلو الساحة للجهلة والكذابين و”وعاظ الطائفية”.

ومثلما كانت التهم جاهزة ضد السياسيين الوطنيين الأصلاء بأنهم “أتباع النظام السابق” رغم أن غالبيتهم عارضوا ذلك النظام لكنهم تعففوا عن الانخراط بمشروع الاحتلال والطائفية، فإن ذات التهم قدمت جاهزة ضد طبقة المفكرين والمثقفين والأدباء والفنانين العراقيين المحبين للعراق. حتى أصبحت بلدان المهجر تضم مجتمعا نخبويا كبيرا من العلماء والمفكرين والأطباء والمهندسين والمثقفين والأدباء والفنانين وهي طبقة تصلح لتشكل مع جمهورها المليوني المُهجّر دولة العراق المؤقتة الأصيلة خارج جغرافية وطنها، وانفرد الجهلاء والطائفيون بقيادة الفعاليات الثقافية والإعلامية الرسمية والدعوات التي تسللت من إيران. رغم أن مؤسسات الدعم الأميركي وقيادة الاحتلال قدمت مئات الألوف من الدولارات لمنظمات أدبية وفنية ولأشخاص أنصاف مثقفين، وشكلت اتحادات، كاتحاد أدباء وكتاب العراق، لكنها جميعا صودرت من قبل المنظمات والجهات السياسية الطائفية وجيّرت فعالياتها بعد النهب لصالحها.

وممّا يؤكد هذه الحقيقة المرّة ما يتم رصده من معاناة لجيل واسع من الأدباء والشعراء داخل العراق وكيفية محاصرتهم ما بين القمع وكمّ الأفواه والتغييب أو تمجيد الطوائفية السياسية. وهذا لا يعني بأن النظام السابق كان منزّها عن الاستبداد وخنق الكلمة الحرة مما دفع بالكثير من مبدعي العراق وأدبائه وشعرائه للهجرة الثقافية. إن ثقافة العراق الأصيلة بنيت مرتكزاتها قبل قرن من الزمن ونضجت وأعطت ثمارها خلال الثلاثين سنة الماضية، ومن الظلم أن يتهم روادها بتبعيتهم للنظام السياسي قبل عام 2003 حتى مع انعدام هامش الحرية الليبرالية التي قدمت بوهم بعد الاحتلال، وإحصائيات بسيطة تؤشر الكم الهائل من الإنتاج الثقافي والنهضة العلمية الهائلة خلال ثلاثة عقود، قياسا بنصف تلك المرحلة منذ العام 2003 ولحد اليوم.

لقد كان المبدعون أوفياء لكلمتهم الصادقة ووطنهم، وظلوا داخل بلدهم ولم يكونوا منافقين للنظام السابق مثلما يصنّفهم دعاة الطائفية والشعوبية. ومن الصعب استعراض أسمائهم اللامعة، لكننا نذكر أمثلة ليست للحصر من الأدباء والشعراء (عبدالرزاق عبدالواحد، عبدالوهاب البياتي، سعدي يوسف، مصطفى جمال الدين، يوسف الصائغ، علي الحلي، حميد سعيد، سامي مهدي، جبرا إبراهيم جبرا، عبدالرحمن الربيعي، حسن العلوي، عبدالستار ناصر) ومن الفنانين (فائق حسن، نوري الراوي، محمد غني حكمت، إسماعيل الشيخلي، وشاكر حسن آل سعيد، خالد الرحال، ليلى العطار، سليم البصري، خليل شوقي، منير بشير، نصير شمة، كاظم الساهر، ماجد المهندس، حسين نعمة، ياس خضر، طالب القرة غولي) ومعهم جيل كامل من رواد الإبداع الذين أسسوا لصرح النهضة والتنوير الفكري والثقافي والفني، كان العراق وعمقه الحضاري محركا لإبداعاتهم الخالدة التي زرعت من خلالها ساحات بغداد بالنصب والتماثيل التي هُدّمَ أغلبها لأنها تواجه الجهل والتخلف، وكذلك غصت قاعات الفنون التشكيلية وترامت نحو بلدان العرب والعالم بلوحات خالدة نُهب أغلبها، وكانت تعلو أعمدة المربد الشعري السنوي معلقات العروبة، وكانت تلك مناسبة للاحتفاء ببغداد من قبل ما يقارب الألف شاعر وأديب ومثقف عربي يحجون إلى مدينتهم العربية سنويا.

لم تكن هناك فوارق عرقية أو طائفية تتزاحم على ريادة الإبداع والنهضة العراقية. فلم يكن أحد يسأل عن الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد بأنه “مندائي”، وأن والد الشاعرة لميعة، الفنان عباس عمارة إنه من المندائيين، الذي أقام معرضه الفني في نيويورك عام 1939 وحضره الرئيس الأميركي روزفلت وكان يمثل العراق الجديد وليس الصابئة، أو أن جبرا إبراهيم جبرا هو مسيحي أو نوري الراوي سنيّ أو حسن العلوي شيعي. لكننا لا نستغرب من أبواق عهد الانحطاط أن يصفوا عمالقة العراق في قوائم ينشرونها بوسائل إعلامهم، بأنهم كانوا “أتباعا لنظام صدام حسين”.

ومن سخرية القدر أن غالبية أسماء تلك القائمة الحاقدة تضمنتها قائمة سبقتها باسم “المرتدّين” التي نشرتها الوقائع العراقية ثم نشرتها مجلة (أفق) في عددها في الأول من أكتوبر 2000 والذين حكم عليهم بالإعدام من قبل عدي صدام حسين، وليس تباهيا أن أقول إن اسمي كان من بين تلك الأسماء. ومن أسباب الحقد على مبدعي العراق أنهم رفعوا اسم العراق عاليا في فترة الحرب العراقية الإيرانية، وهذه الحملة تضمنت اغتيال فرق الموت لأكثر من 300 عالم وأستاذ جامعي خصوصا في الفترة ما بين 2004 و2006، وكذلك تنظيم عمليات الإسقاط الثقافي من قبل الجهلة ووعاظ الطائفية لعدد هائل من رموز الثقافة العراقية.

ومما يثير السخرية أن تتحول مؤسسة اتحاد الأدباء، للأسف، إلى منابر للتجهيل وإحلال الطائفية محل الوطنية، رغم أن رئيس هذه المؤسسة الصنيعة يدّعي الانتماء إلى التيار اليساري، ولم يتمكن ذلك الاتحاد الهزيل من حماية مقره من هجمات بعض منتسبي الميليشيات، ممّا يدعو رئيسه إلى استضافة رئيس منظمة عصائب الحق ويقدمه على منصته خوفا وهلعا من تلك الميليشيات.

ولقد صدم العراقيون والأوساط الثقافية أخيرا من موقف رئيس الاتحاد في الامتناع عن تأبين شاعر العراق والعرب الراحل عبدالرزاق عبدالواحد، وقد انطلقت على إثر ذلك حملة واسعة من أوساط المثقفين والأدباء العراقيين المنتمين لهذا الاتحاد، بإعلان استقالاتهم والدعوة إلى قيام اتحاد بديل وطني أصيل يمثل الجمهور الأدبي والثقافي داخل العراق وخارجه. وفي الوقت الذي نساند هذه المبادرة فإننا ندعو إلى مواصلة وتكثيف الجهود الخيّرة وإثراء المناقشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لبلورة قيام هيئة تحضيرية تصل إلى توافق ثقافي عراقي والانتقال إلى الخطوة اللاحقة بقيام مؤتمر تأسيسي لاتحاد عراقي جديد يقود الحركة الثقافية والأدبية العراقية. فوعاظ الطائفية يغتالون الثقافة العراقية ولا يصلحون لقيادة حركتها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر