الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

وداعا بريد القراء

الأفكار لا تنضج ولكنها تبث آنيا وتظهر أوتوماتيكيا، تقرأ الخبر أو المقال وتقرأ معه سيلا من اللغو والتفاهة المبرحة بل وأنواعا من السباب والشتائم.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/11/17، العدد: 10100، ص(24)]

كانت الناس تبعث رسائل إلى محرر صفحة بريد القراء. كتابة الرسالة ومن ثم وضعها في ظرف وإلصاق الطابع والذهاب إلى مكتب البريد، إجراءات تملي على الكاتب شيئا من الوقار والتأمل في ما يكتب والتخطيط لما سيقول. كتابة كتلك فيها تهيّب ومسؤولية. ومن تُنشر رسالته يسعد ويفتخر ويقتطع الصفحة التي فيها رسالته المنشورة ويحملها في جيبه ليفرجها للناس بزهو.

الكاتب الإنكليزي بي جي وودهاوس يذكر كيف أن وليام فوكنر كتب رسالة لصحيفة التايمز اللندنية ونُشرت فراح فوكنر يستعرض رسالته المنشورة تلك مزهوا. يحمل في جيبه صفحة التايمز التي بها رسالته في المقاهي ويفرج الناس عليها ملؤه الفخر. كل هذا ووليام فوكنر حائز على جائزة نوبل للآداب.

جائزة نوبل شيء والرسالة المنشورة شيء آخر. أن تنشر لك رسالة في صحيفة يملؤك تيها لسبب لا نعرفه. وأذكر أني مرة طُلب إلي أن أختار اسما مبتكرا لصفحة بريد القراء في المجلة التي أعمل فيها ولم يسعفني التفكير والقدرة على الابتكار إلا بعنوانين. الأول كان “وقفة مع الأنذال” والثاني “الأوغاد يكتبون” ورُفض الاقتراحان بالطبع. كنت متحاملا على القراء ورسائلهم. وكنت ساخطا متبرما من الزمن الذي جعلني أقرأ ما يخطه القراء العرب في التسعينات. أحلم بأني مسؤول بريد القراء في مجلة “الرسالة” في القاهرة في الثلاثينات وأتلقى رسائل من زكي مبارك وطه حسين والرافعي.

أذكر أن الصحافة العربية في التسعينات كانت ضاجة بقصة فنانة قيل إنها أسمت كلبها اسما فيه إساءة للدين والأصول. هاجت الناس وامتلأ بريد القراء برسائل تعبر عن السخط والغضب الشديدين من الواقعة المزعومة. من بين الرسائل كانت هناك واحدة قادمة من مدينة في قلب صحراء العرب وما كنت أتوقع أن فيها خدمات بريد. لكن أحد سكانها عرف بحكاية الفنانة وكلبها وما يشاع. بلغ هياجه إلى حد أنه قرر أن يكتب رسالة. قرأت رسالته وأحببتها لبساطتها. لا أذكر كل ما جاء فيها فهي شتائم ورغو في الفم وسعار. لكنه ختمها بسؤالين لا أزال أذكرهما وأضحك حيث قال “خبروني ما هو دين هذه الفاجرة؟ هل هي أردنية؟”.

هاكم رجلا من بيئة ترى في الأردن ضربا من الدنمارك وتعتبره عمليّا بلادا اسكندنافية أو أن “الأردنية” طائفة ستهلك بإذن الله وليست من الفرق الناجية حتما.

الآن اختفى بريد القراء في معظمه وحلت محله تعليقات القراء في المواقع الإلكترونية للصحف مما زاد في تفاهة المعروض. اختفى التهيب الذي تمليه الرسالة وصارت الناس تكتب تعليقا من الفراش أو من الحمام على هواتف ذكية. الأفكار لا تنضج ولكنها تبث آنيا وتظهر أوتوماتيكيا. تقرأ الخبر أو المقال وتقرأ معه سيلا من اللغو والتفاهة المبرحة بل وأنواعا من السباب والشتائم.

ولكن لا يأس مع الحياة. هناك اليوم دعوات حصيفة لإغلاق باب التعليقات. وأخذت بعض المواقع بالفعل قرارا بوقف نشر التعليقات. لن أفتقد التعليقات فمعظمها يقول تعقيبا على أي خبر “حسبي الله ونعم الوكيل” لا غير.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر