الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

تعابير لا تساوي 'شروى نقير'

الإرهاب لم يولد من سراب، بل هو نتاج لانهيار منظومة القيم والأخلاق في أغلب مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/11/20، العدد: 10103، ص(21)]

إذا كانت زلات اللسان تأتي بشكل عفوي في حديث أو خطاب أو نداء وتوقع أصحابها في مطبات عديدة، فلماذا لا ينأون بأنفسهم عن ذلك في كتاباتهم التي من المفروض أنها تخضع لسلطة العقل ولرقابة الذات؟

ربما يعتقد البعض أن لكل شخص الحق في التعبير عن رأيه بحرية من دون شرط أو قيد، ولكن هذا الحق ألن يصبح مستهجنا إذا كان العنف اللفظي هو وسيلة التعبير التي يجيدها الكثيرون؟

ولست أقصد هنا عامة الناس فحسب، بل حتى أولئك الذين يصنفون أنفسهم على أنهم من النخبة انساقوا وراء لغة البذاءة والعنف التي لا تخدمهم في شيء بقدر ما تسيء إليهم.

يكفي أن نلقي نظرة عامة عما ينشر في العديد من الصحف والمدونات والمواقع الاجتماعية وما يقال في الشارع، ونحصي عدد كلمات السب والشتم والقذف وما إلى ذلك من الألفاظ النابئة، لندرك حجم الانهيار الذي أصاب المعايير الأخلاقية والإنسانية في مجتمعاتنا.

وقد أشار بحث ميداني نشر مؤخرا إلى أن تسعين بالمئة من الأشخاص في الدول العربية يسمعون كلمة بذيئة أو شتيمة واحدة على الأقل في كل يوم، إن لم يكن ذلك في الشارع فعبر وسائل الإعلام، أو في الأغاني أو المجلات أو الكتب أو الأعمال الدرامية أو السينمائية.

ولا نريد أن نقول إن العيب في استعمال اللهجات المحكية والعاميات، ولكن العيب الكبير في الفهم الخاطئ لحرية التعبير التي جعلت الكثيرين يخرجون عن نطاق الآداب العامة وينساقون وراء التعابير الضحلة والخاوية من الروح والمعاني، وليس هذا فحسب ففي مجملها مشحونة بالعنف والبغض والتطرف وكل أشكال الحقد والكراهية، عوض أن يرتقوا بكتاباتهم التي هي في نهاية الأمر تعبر عن هوياتهم، ولا تطرح موضوعا أو قضية بقدر ما تعكس فكرا، ويمكن أن تكون مرجعا ثقافيا للأجيال الحاضرة وربما للقادمة.

وأعتقد أن مستواها إذا كان هابطا، فإنها لن تساوي في منظورهم “شروى نقير”، أو كما عبر عن ذلك الكاتب والشاعر البريطاني-الاسترالي كليف جيمس حين قال إن “جوهر أي تعبير مبتذل لا يكمن في إساءة استخدام مفرداته، وإنما في كونها فاقدة للحياة”.

ولم يعد ذلك مستغربا حتى داخل الأسرة الواحدة، التي أصبحت الألفاظ البذيئة جزءا من لغة التخاطب اليومية فيها، ووصل الأمر إلى حد أن يتبادلها الآباء والأبناء في ما بينهم.

لقد بات القليلون اليوم من الناس لا يستعملون العنف اللفظي والشتائم في كتاباتهم أو أحاديثهم أو يمارسونه ضد غيرهم، وهذا أكبر مؤشر على وجود أزمة قيمية في المجتمعات.

وللأسف، تداول العبارات النابئة أصبح من الأمور الاعتيادية إن لم نقل من ضمن الثقافة الاجتماعية السائدة، وقد ينظر إليها في أغلب المجتمعات على أنها من السلوكات المبررة، وربما أيضا يُبجل أصحابها ويُرفعون درجات.

كيف لا؟ وأغلب وسائل الإعلام لم تعد اليوم تهتم بقيم الأخبار بقدر ما تبحث عن الإشاعات المغرضة والمواضيع المثيرة وتفرد مساحات شاسعة للتكفيريين والتيارات الطائفية ليبثوا سمومهم في عقول الأطفال والشباب والمتفرجين المغلوب على أمرهم الذين يصدقون كل ما يقال لهم، فتشحن عقولهم بالأفكار البغيضة ومن ثم لا يتورعون عن تفجير أنفسهم في أي مكان، مخلفين وراءهم العشرات من الضحايا الأبرياء. وخلاصة القول، الإرهاب لم يولد من سراب، بل هو نتاج لانهيار منظومة القيم والأخلاق في أغلب مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر