الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

كهف العولمة

قارئ التاريخ، لن يعجز عن فهم المستقبل، غير أن العالم المعولم اليوم، جديد على الكوكب، بثورته المعلوماتية وانفجار الاتصالات فيه، والاتصالات ستعني المزيد من المحبة وأيضا المزيد من الكراهية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/11/20، العدد: 10103، ص(24)]

“ماذا فعلنا لك يا رب؟” فيلم كوميدي فرنسي من إخراج فيليب دو شوفرون، طرح في صالات العرض في ربيع العام الماضي. وكان الهدف منه التهكّم من المشاعر العنصرية، فنجده يبدأ بزغاريد عربية من لقطاته الأولى، في عرس أولى بنات كاتب العدل البرجوازي الفرنسي الهادئ المسيو كلود فرنوي، التي قررت الزواج من رشيد العربي المسلم. تقبّل كلود وماري الوضع الجديد، على مضض، ولكنهما واصلا الحياة، لتوقع بهما ابنتهما الثانية صدمة أخرى، وتتزوج من داود اليهودي، ولكنهما تقبلا الأمر أيضا، قبل أن تلحق بها الثالثة وتتزوج شاو التايواني، أما الرابعة فقد قررت عدم إحراج أهلها بهذا الشكل، فاختارت الزواج بمسيحي كاثوليكي، مثل والدها ووالدتها، اسمه شارل، ولكنه مختلف قليلا، فقط هو من ساحل العاج في أفريقيا.

حقق الفيلم أعلى الإيرادات في فرنسا، ولكنه منع من العرض في الولايات المتحدة، لأنه ويا للغرابة، صُنّفَ من ضمن الأفلام التي تحرّض على العنصرية.

عاش رشيد وداود وشاو سعادة قصوى من الاتهامات والازدراء، وكانوا يسخرون من بعضهم البعض، حتى أن داود كان يسمي رشيد وشاو “عرفات وجاكي شان”، أما رشيد فقد كان يقول لأبنائه لا تصدقوا جدتكم ماري وهي تتحدث عن المسيح في شجرة الميلاد، فهو مجرد نبي مثله مثل كثيرين.

أما ماري الأم المسكينة، فهي في عيد الميلاد، كانت تضطر إلى أن تشوي ثلاثة ديكة رومية، واحد من لحم الحلال وآخر من الكوشير وثالث قام بتتبيله راهب صيني.

الاختلاف حديث العالم اليوم، في كل بيت وشاشة ونادٍ وجامعة ومسرح ودار عبادة، فهل عرف العالم كيف يحوّل الاختلاف إلى طاقة للوجود، وإثراء للحياة العامة، أم أنه ما يزال يعتبره مشكلة لا حل لها سوى بالتعايش؟

تقول الطبيعة إن الشعوب البشرية تتقارب، وإن كانت الاختلافات العقائدية والعرقية قد جعلت منا أنواعا، مثل فصائل القطط والقوارض، فإننا نتحدث حينها عن سلالات بشرية تتقاتل في صراع على البقاء، يهدم معه كل المنجز الحضاري الإنساني، لشرعنة هذه الفصيلة أو تلك من الثدييات الواقفة التي تسير على قدمين، لينتهي الإنسان من حيث بدأ، كلٌ في كهفه الحصين.

قارئ التاريخ، لن يعجز عن فهم المستقبل، غير أن العالم المعولم اليوم، جديد على الكوكب، بثورته المعلوماتية وانفجار الاتصالات فيه، والاتصالات ستعني المزيد من الاحتكاك والمزيد من المحبة، وأيضا المزيد من الكراهية والعنف.

دمّر الإنسان برج بابل قبل الآلاف من السنين، البرج الذي قال عنه سفر التكوين، إنه بعد الطوفان العظيم بدأت ذرية نوح في بنائه، كي يجمعهم مكان واحد من الأرض فلا يتبددون على وجه البسيطة الواسعة، وكان قصدهم جعل العالم كله مملكة واحدة، واليوم سيدمّر الإنسان الجديد العالمَ المعولم، ويبقى يتساءل ببراءة “ما الذي فعلناه لك يا رب؟”، لتقوم الرقابة العربية بترجمة عنوان الفيلم في صالات العرض إلى “ماذا قدّمنا لك يا ربنا؟” فينقلب المعنى، ويصبح الأبطال مقصّرين بحق الأديان والأعراق.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر