الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

مذكرات المستقبل

'العناصر الأساسية في تكوين القومية هي وحدة اللغة ووحدة التاريخ، وما ينتج عن ذلك من مشاركة في المشاعر والمنازع، وفي الآلام والآمال'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/24، العدد: 9358، ص(24)]

… وبعد خروجها من زمن الخلافة، بدأت شعوب المنطقة الممتدة في الشرق الأوسط، بعربها وكردها وفرسها وغير تلك الأعراق التي قاربت بينها الجامعة الإسلامية، بالبحث عن هويات جديدة تصلح لتقديم ذواتها للعالم على انها مشاريع ناجزة وحضارية، فلم تجد سوى الجامعة القومية، منجرّة وراء المشروع القومي الأوروبي وأفكار الإيطالي جوسيبى ماتزينى والماركسيين وأخيرا السوري المولود في صنعاء ساطع الحصري الذي رأى إن :"العناصر الأساسية في تكوين القومية هي وحدة اللغة ووحدة التاريخ، وما ينتج عن ذلك من مشاركة في المشاعر والمنازع، وفي الآلام والآمال"، وبعد أن جرّبت الشعوب القومية، ورأت أنها تحقّق لها كيانها الثقافي والسياسي على أرضها، وجدت أنها تعيش خلف جدارٍ شاهق يفصلها عن الآخرين، فلا اللغة المشتركة ولا الثقافة كافية للحياة، ورأت أنها بحاجة إلى المزيد، فلم تجد سوى الأديان، ثم وجدت الشعوب أن الدين لا يكفي للتعبير عن ذواتها، فجرى تجزيء الدين إلى طوائف، وعثرت المجتمعات على الجامعة الطائفية، وانحسرت إلى حاراتٍ تعيش كل طائفة فيها بلا شريك، ثم وجدت الطوائف أنها ولّادة وقد تنجب أجزاء أصغر، فقررت الانقسام إلى أسر، ثم انقسمت الأسرة إلى أفراد، ووجد الفرد أنه يعيش وحده، وأخذ يقرأ بالعربية، وحدها، كلام الله في القرآن الكريم: "رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" ولكن هذا الفرد في هذه المنطقة ما يزال متشيطنا لا يستكين، ملَكَ الكثير من الدهاء والحنكة، ولولاهما لما صار التاريخ على تلك الصورة، إذ روى الفرنسيون أن الأديب السوري فخري البارودي أحد أكبر المبشرين بالوطن العربي الواحد وصاحب قصيدة "بلاد العرب أوطاني…من الشام لبغدانِ..ومن نجدِ إلى يمنٍ.. إلى مصر فتطوانِ" ومؤلف كتاب "فصل الخطاب ما بين السفور والحجاب" و"المعجم الموسيقي العربي" كان قد عُرض على محكمة فرنسية بتهمة "تسليح المعارضة والثوار" فما كان منه إلا أن طلب شهادة رئيس الاستخبارات الفرنسية ذاته، لعلمه أنه لا يستطيع الاعتراف بإمكانية حدوث أمر كهذا وهو موجود، فكيف يمكن لأحد أن يسلح الناس دون أن تعلم المخابرات؟

فشهد الضابط الفرنسي لصالح البارودي كما توقّع الأخير، الأمر الذي أغضب رئيس المحكمة فأخذ يسبّ ويشتم بالفرنسية قائلا: "ألهذا الحد وصل بك الدهاء مسيو بارودي، لعبتَ بعقل رئيس المباحث الفرنسية؟‏" فقال البارودي: "يا سيدي القاضي أنا رجل بسيط من شعب بسيط، فإذا كنت أستطيع أن ألعب بعقل رئيس استخبارات فرنسا، فمن حقنا إذا أن نُنتدب عليكم لا أن تنتدبوا علينا"، فضحك القاضي وحكم ببراءة البارودي ونفاه إلى "الحسكة" في أقصى الشمال السوري.‏

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر