الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

دم ودم، دماء وطين.. إنعاش للذاكرة

فارق التوقيت الحضاري أن قرونا من الحروب الأهلية والدينية في أوروبا ألقت بصدأ النفوس بعيدا، وأخلت قلوب كثير من الأحفاد للرحمة وبعض 'الإنسانية'.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/11/24، العدد: 10107، ص(9)]

باختصار غير مخل تماما يسهل القول إن “المؤسسات” الراسخة في تأبيد أي وضع راهن تكره الثورة، تخشى اندلاعها وتتوقاها، وتلعنها إذا قام بها آخرون. ومن سوء حظ هذه المؤسسات “الدينية والعسكرية والقضائية” أن يقوم بالثورات دائما هؤلاء الآخرون.

وباختصار غير مخل أيضا يسهل القول إن تواطؤ مؤسستين من هذه الثلاث، على أمر ما، يفضي إلى كارثة. لم يعطف القضاة- الكهنة على جوردانو برونو، بعد أن لبث في السجن بضع سنين، وتم التمثيل به حيا، وأمروا بحرقه عام 1600، وكان أكثر ثباتا من قاتليه “لعلكم أيها القضاة، وأنتم تحكمون بهذا الحكم، تحسون من الفزع والرعب أكثر مما أحس أنا عند سماعي له”. ظلت جرائم الدم، الصلب والسادية والحرق، سنة غير حميدة، لم ينج منها ممثلو أي دين، وصولا إلى مصر اليوم. فرق التوقيت الحضاري أن قرونا من الحروب الأهلية والدينية في أوروبا ألقت بصدأ النفوس بعيدا، وأخلت قلوب كثير من الأحفاد للرحمة وبعض “الإنسانية”، وحملتهم على الشعور بالذنب وتكريم الشهداء، واحتضان مسلمين من ضحايا الجرائم نفسها التي مارسها الأسلاف.

في مصر أتيحت لحظة نادرة، لن تتكرر في هذا الجيل، لتطهير الشرطة وتأسيس بديل احترافي أكثر إنسانية، بعد نجاح جمعة الغضب “28 يناير 2011″ وما أثمرته من خلع حسني مبارك. كانت المؤسسة العسكرية تتخبط، وأهينت الشرطة بعد سنوات من الاستبداد، وأمام الإصرار الثوري على إعادة هيكلة جهاز الشرطة والتخلص من عناصره الفاسدة، كان لابد للمؤسسة الفاشلة في الحكم أن تستعين بإحدى المؤسسات الثلاث الكارهة للثورة. ثم وصل اليمين الديني للحكم في ظل وجود قوي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، “مجلس حسين طنطاوي”، الذي أزاحه محمد مرسي بقرار لم يختلف عليه المصريون، بعد أن تأكد لهم الفشل، وثبوت عدم صلاحية الصرامة العسكرية لفكرة الديمقراطية.

كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أربكته حوادث الاعتداء الطائفي، ولم يفعل شيئا لشهداء الثورة وجرحاها، ثم شهد الأحد 9 أكتوبر 2011، فاجعة “ماسبيرو”، بتحريض من مذيعة في التلفزيون الرسمي. في ذلك المأتم دعا عصام العريان أهالي الشهداء إلى التنازل عن محاكمة القتلة وقبول الدية، وصمت عن جريمة ماسبيرو، خشية أن يؤجل دخان مدرعة دهست أكثر من 25 مسيحيا مغانم انتخابية يستعدون لجمعها، وقال بيان الإخوان “إن المطالب المشروعة لها قنواتها ولها طريقتها ولها وقتها الذي يناسبها، والشعب المصري كله له مطالبه المشروعة وليس الإخوة الأقباط فقط، ويقينا ليس هذا هو الوقت المناسب للمطالبة بها؛ فالحكومة الحالية حكومة مؤقتة والظروف العامة غير طبيعية، وحتى لو صدرت مراسيم بقوانين فسوف يعاد النظر فيها فور تشكيل البرلمان المنتخب، فالحكمة تقتضي الصبر… ونحن على أعتاب الانتخابات الحرة التي طالما تطلعنا إليها، ينبغي التعجيل بإجرائها للوصول بالبلاد إلى حالة الاستقرار والشرعية الشعبية والدستورية وإقامة حياة ديمقراطية سليمة”. ونسيت الوعود بعد وصولهم للحكم.

بعد ثلاثة أسابيع انفجر دم جديد. قادتني المصادفة في الواحدة من ظهر السبت 19 نوفمبر إلى ميدان التحرير، رأيت مصفحة للشرطة تنطلق من شارع محمد محمود، وتميل يمينا في حركة استعراضية بالميدان، بعد حماقة تفريق عدد محدود من أهالي الشهداء. كان الأهالي ينتظرون الإنصاف، ولا يبالي بهم أو ينتبه إلى وجودهم أحد بوسط الميدان، ولكن هدم الخيام، واستفزاز أبواق المصفحات استدعيا الآلاف إلى مصدر الخوف. بعد ساعة كان الشارع ساحة قتال، والميدان يضيق بمن حلمتهم إليه غريزة خوف لم يعد يخيف إلا السلطة منذ 25 يناير.

كتبت في “الأهرام المسائي” في 21 نوفمبر 2011 مقالا عنوانه “آن لمبارك أن يتنحى”، أنهيته بالقول “الآن، وبعد أن صفقنا للجيش مساء 28 يناير ‘جمعة الغضب’، نشعر باليأس، وتتآكل مساحة الثقة، وما يجري الآن في ميادين التحرير رد فعل ثوري شعبي تلقائي على التواطؤ والتلكؤ. ما يحدث في شارع محمد محمود منذ يوم السبت 19 نوفمبر، هو استعادة لعافية الثورة وحيويتها، الثورة الآن في مخاض حقيقي، بعد تسعة أشهر من ولادة متعسرة لا يراد لها أن تتم، ولكن لا أحد يستطيع أن يحجب الشمس، حتى لو ظل مبارك يحكم من الباطن، وسيخرج الجنين أكثر قوة”. لولا تضحيات شارع محمد محمود، لتأخر تسليم السلطة إلى عام 2013 كما كان معلنا، ولكن الدماء عجلت بالانتخابات الرئاسية، تضحيات وصفها الإخوان بأنها “إفساد للعرس الديمقراطي”.

في ربيعهم مع الجيش لم يكتف الإخوان بدور الشيطان الأخرس، وإنما وقفوا كالعادة “في ظلال السلطة”، ونشرت الصفحة الأولى لصحيفة “الحرية والعدالة”، في اليوم التالي لاستقواء عدة جنود على امرأة وتعريتها في ميدان التحرير، بشرى حصول الإخوان على 39 بالمئة في 6 قوائم، و39 مرشحا في إعادة الفردي. وفي الصفحة نفسها “القوات المسلحة طاردت بلطجية وليسوا ثوارا”.

جاءت التجربة البرلمانية لليمين الديني منزوعة الرحمة والإنسانية، فاقدة الحس بالتاريخ. وجدها بعض السلفيين أقرب إلى القنص النهائي، فاستأسدوا على نبلاء لا يبغون سلطة.

التراخي في بتر عناصر الشرطة الفاسدة، أغراها بالإيغال في الدم. كان من الاستخفاف بالذاكرة أن يقول مرسي في ذكرى مرور عامين من الثورة، إن الشرطة كانت في القلب من ثورة 25 يناير، متناسيا أن الثورة لم تكن لتخلع مبارك، لولا كسر الشرطة في جمعة الغضب. وبمد الخيط إلى نهايته، سيصبح الإخوان ضحايا، قتلى وجرحى وقتلة، ويصير “الشهداء” لقبا لضحايا التحريض عابر الحدود، ويتأجل مشروع الثورة، حتى تستوفي شرطها التاريخي، ونكون أهلا لها، فلا نفرق بين دم ودم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر