الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

علام تضحك

هناك الضحك الغبي الذي لا يؤسس له سوى كراهية من يُشتم. شتيمة خالصة لا ذكاء من خلفها ولا نكتة لكنها تفجر الضحكات وتثير الإعجاب.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/11/24، العدد: 10107، ص(24)]

في وحول التخلف، الناس يضحكون على من يكرهونه مهما كانت النكتة بحقه سمجة وغبية. ويكفي أن تنظر إلى تعليقات القراء في مواقع الإنترنت وإعادة بث التغريدات التي يفترض أنها ذكية ومضحكة لكنها ليست كذلك وإنك تعجب بها لأنك تتفق معها.

زمان، كان رسم الكاريكاتير أقرب إلى ازدراء شخص وتضخيم عيوبه منه إلى النكتة الذكية. كان كارهو ملك فرنسي من ملوك ما بعد الثورة يعتقدون أن الصورة الأذكى هي مجرد رسمه بمؤخرة كبيرة جدا وبنطالون مفتوق، أو نشر صورة لجمال عبدالناصر وأنفه طويل جدا، يضحك منها من يكره عبدالناصر. هذا العمل اسمه lampooning وقد اختفى من أوروبا تقریبا لكنه ما زال موجودا عندنا. بالأمس رأيت كاريكاتيرا يسخر من زعيم سياسي أحترمه لصدقه وعدم التوائه لكني ضحكت لأن الفكرة ذكية ومضحكة. يعني أن بإمكاني أن أضحك من سخرية على شخص أحترمه.

لا بد أن أذكر أني أكتب عن الضحك لأني مهموم ومقطب. أعمل بالحكمة القديمة التي تقول “من يستطيع أن يفعل شيئا يفعله ومن لا يقدر يكتفي بالحديث عن الشيء”. الضحك التلقائي الذي لا يبدو أن له سببا مازال موجودا وهو فطري. أن ترى رجلا يتزحلق بقشرة موز وينكفئ على وجهه يظل مضحكا مهما تطورنا. وسنضحك أكثر لو كان الرجل وقورا وأنيقا. لا يزال مشهد رجل يمشي ويرتطم بعمود أو حاجز زجاجي يضحكنا رغم أن الارتطام مؤذ. الأطفال الذين لا يزالون رضعا يضحكون. ينظر أحدهم بمكر ثم ينفجر ضاحكا.

وهناك الضحك الغبي الذي لا يؤسس له سوى كراهية من يُشتم. شتيمة خالصة لا ذكاء من خلفها ولا نكتة لكنها تفجر الضحكات وتثير الإعجاب. وأذكر أن قناة تلفزيونية كانت تنقل بالبث المباشر وعبر الأقمار الصناعية صورا من غرفة كئيبة لرجال جالسين على حشيات يشتمون رئيس الدولة وأباه وأمه شتيمة سوقية، والقناة ترى فيها شيئا يستحق أن يشاهده العالم وبالبث المباشر.

وكلنا يذكر بيت شعر شهير جدا حفظه العرب وابتهجوا به وهو ليس من الشعر في شيء. بيت يقول “أولاد الـ… لا أستثني منكم أحدا”، شتيمة بذيئة لا لماحية فيها ولا سخرية لكنها موجهة إلى الحكام.

منذ حوالي عشر سنين ذهبت إلى محل يبيع قطع غيار ومواد سباكة. لدى وصولي كان هناك سبّاكان واقفان في انتظار تلقي ما اشترياه. قال أحدهما للآخر مستمرا في سرد حكاية كانا قد بدءآ بها قبل وصولي. ما سمعته كان أن المتحدث يسأل المستمع بإلحاح “أتعرف ماذا قلت له؟” ويستطرد قائلا “قلت له ثمانين جنيها” وانفجرا ضاحكين. مضى على ذلك عشر سنوات وإلى اليوم أخصص ربع ساعة من يومي محاولا أن أضع سيناريو الحكاية التي أدت إلى تفجير الضحك لقول “ثمانين جنيها”. يعني ماذا حصل ليكون هذا القول مضحكا. وإلى يومي هذا ما زلت عاجزا عن تصور الحكاية. الضحك لغز.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر