الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

الاثنين 22 مايو/ايار 2017، العدد: 10640

خطاب التبرئة والتجريم: تملّص الدولة الفرنسية من مظنّة الإرهاب

  • الارتباك الذي حصل في الأجهزة الأوروبية في السنوات الأخيرة في ما تعلق بملف إدارة شؤون المسلمين الأوروبيين، أدى إلى تفشي ظاهرة التطرف وخضوع شباب الجيل الثالث والرابع للهجرة إلى تحكم أئمة متطرفين. هذا الفراغ الذي خلقته الدولة في أوروبا تتم تغطيته اليوم بمغالطات ترمي بالمسؤولية على الأصول العربية المسلمة لبعض الأسماء الإرهابية مغفلة دور الدولة في احتواء مسلميها، وهذا تمهيد لإقامة تمييز بين المواطنين الأوروبيين على أساس الدين.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/11/25، العدد: 10108، ص(13)]

علمانية أوروبا اخترقها الإرهاب ليدفع السلطات إلى التمييز بين المواطنين

في غمرة التفجيرات الإرهابية التي ضربت فرنسا يوم الثالث عشر من نوفمبر الجاري، وحالة التأهب الأمني في فرنسا وبلجيكا وبلدان أوروبية أخرى، يتم تسليط الضوء بشكل كبير على أصول منفذي التفجيرات، وهم مواطنون فرنسيون أو بلجيكيون من أصول مغربية تعود إلى عقود خلت، عندما هاجر الجيل الأول إلى أوروبا.

فطيلة الأيام الماضية جرى التركيز كليا على الأصول الأولى لهؤلاء المتطرفين في وسائل الإعلام الفرنسية والأوروبية، التي تحدث قفزة عالية في سماء التاريخ من أجل طمس الهوية الحقيقية لهؤلاء بوصفهم مواطنين أوروبيين، فرنسيين أو بلجيكيين، وتكر عائدة إلى الماضي البعيد، ضاربة عرض الحائط بمجموع الحقائق الثقافية والسوسيولوجية لهؤلاء الأفراد، تلك الحقائق التي تشير إلى ارتباطهم بالمجتمعات التي ولدوا وعاشوا فيها، وليس بالمجتمعات التي ينحدر منها آباؤهم أو أجدادهم.

هذا هو مضمون “المحضر الرسمي” الذي يعده الإعلام الأوروبي لأي مجرم أو إرهابي جرى اعتقاله على خلفية الأعمال الإرهابية، أو قام بعملية انتحارية في قلب أوروبا، من أجل تهريب الأسئلة الحقيقية، وتغييب مساءلة السياسة الداخلية تجاه الجيل الثالث أو الرابع من المهاجرين، الذي لم يعد مرتبطا بموطن آبائه الأولين، وفي نفس الوقت لم يحقق الاندماج وسط المجتمع الذي ولد وتربى فيه، مما جعله يعيش أزمة انتماء أو أزمة هوية، نتيجة عدم الاعتراف الكامل به.

وقد لوحظ أن وسائل الإعلام الفرنسية سعت على سبيل المثال إلى إبراز الأصول المغربية للعقل المدبر لتفجيرات باريس، عبدالحميد أباعود، وهو من مواليد بلجيكا عام 1987، من دون الإشارة إلى أنه مواطن بلجيكي ولد وتعلم في المدارس البلجيكية، وتلقى الثقافة الأوروبية من منابعها، وعاش منبت الصلة بأصوله المغربية، لغة وثقافة؛ وهو ما حصل مع أشخاص آخرين متورطين في أحداث باريس الأخيرة، أو في الأحداث التي حصلت في يناير الماضي، بالرغم من أن هناك المئات من المواطنين الفرنسيين، المنحدرين من أصول فرنسية، يوجدون ضمن صفوف الجماعات المسلحة المتطرفة في سوريا والعراق، ولكن الإعلام الفرنسي يركز بشكل خاص على ذوي الأصول المغاربية، كنوع من التهرب من مواجهة الحقائق على الأرض، وتعليق المشكلات على البلدان الأخرى، والحيلولة دون انتقاد السياسة المتعلقة بأبناء المهاجرين من الجيل الجديد، الأمر الذي يكشف ازدواجية التعامل مع قضية الإرهاب في أوروبا، من خلال التمييز الذي يتم إجراؤه بين الأفراد ذوي الأرومة الفرنسية، والآخرين القادمين من جذور غير فرنسية، مع أنهم جميعا يشتركون في المواطنة الفرنسية، ويتقاسمون نفس الثقافة واللغة والمحيط السوسيوـ اجتماعي، ويتوفرون على نفس الحقوق في التصويت والمشاركة السياسية وفقا للقوانين الناظمة للمجتمع الفرنسي.

وسائل الإعلام الفرنسية سعت إلى إبراز الأصول المغربية للعقل المدبر لتفجيرات باريس دون ذكر نشأته الأوروبية

مثل هذا الأسلوب المزدوج في التعامل مع موضوع الإرهاب النابع من داخل الثقافة الأوروبية والنسيج الاجتماعي الأوروبي يزيد في تعقيد الحل، ويوجه رسالة سلبية إلى المسلمين الفرنسيين الذين أصبحوا جزءا من المجتمع الفرنسي، كونه يتضمن تلويحا بعدم الاعتراف بهم كفرنسيين، ويذكرهم بأنهم لا ينتمون إلى المجتمع الفرنسي ويمكن في أي وقت أن يتعرضوا لسياسة العقاب الجماعي، كما أنه يقدم خدمة مجانية لليمين المتطرف في أوروبا، الذي يتربص بمثل هذه الأحداث من أجل توجيه اللوم إلى المسلمين المقيمين، وتجريم المهاجرين بشكل عام.

إن”خطاب التبرئة” هذا، الذي يلجأ إليه الإعلام الفرنسي ومعه بعض المسؤولين الفرنسيين، ويرمي إلى إعفاء الدولة الفرنسية من مظنة المسؤولية، يكرس “خطاب التجريم” تجاه المسلمين في ذات الوقت، ويناقض الأسس التي بنيت عليها العلمانية الفرنسية ومبادئ الثورة الفرنسية، التي جعلت المواطنة فوق الانتماءات الفرعية الأخرى، وربطت الانتماء إلى المواطنة بالإجماع على قيم معينة هي التي تشكل لحمة الثقافة الفرنسية الحديثة.

وجه المفارقة في هذه المسألة أن الدولة الفرنسية لجأت، منذ أزيد من عقد من الزمن، إلى محاولة تجريد المسلمين الفرنسيين من أي انتماءات أخرى خارج فرنسا، ودافعت على أطروحة “الإسلام الفرنسي”، من أجل جعل الإسلام جزءا من المجتمع الفرنسي، وإنهاء عهد تدخل الدول الإسلامية في تدبير شؤون جاليتها، كما كان نيكولا ساركوزي يقول حين كان وزيرا للداخلية في تلك الفترة، وهو ما قاد إلى إنشاء “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية” عام 2003، ليكون الجهة التي تشرف على تنظيم شؤون الإسلام والمسلمين في البلاد، بالتنسيق مع وزارة الداخلية الفرنسية.

بيد أنها اليوم تسعى إلى اتخاذ خطاب معاكس، لا يعترف بأن الإسلام الفرنسي جزء من فرنسا، من أجل الحيلولة دون طرح الأسئلة الحقيقية حول طريقة تدبيرها لملف المسلمين فوق ترابها.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر