الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

'فرانكشتاين' في تونس

في كل عملية إرهابية كان الهدف إدخال الدولة الرخوة في لحظة شك عبر إيصال الإرهابيين إلى فكرة 'البقاء والتمدد' رغم جهود المؤسستين الأمنية والعسكرية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/11/26، العدد: 10109، ص(8)]

لم يكن الكاتب والروائي العراقي أحمد سعداوي يدرك أنّ نصّ روايته “فرانكشتاين في بغداد” ستتحوّل إلى خطّ ناظم يسحب الظلم والدماء على رقعة جغرافيا العرب، وأنّ ما كان بالأمس القريب محبّرا في العراق وعن بغداد سيصير صالحا لكافّة العواصم العربية دون استثناء.

بعيدا عن بروباغندا الإرهاب، وبمنأى أيضا عن أيّ مغالطات للرأي العام فإنّ عملية “محمد الخامس”، وهو الشارع الرئيسي في قلب العاصمة تونس، تفتح صفحة جديدة في منظومة الحرب على الإرهاب الذي دشّن الليلة قبل الماضية أولى عملياته الانتحاريّة مستهدفا شاحنة للأمن الرئاسي عنوان فخر المنظومة الأمنية والقتالية التونسيّة.

“عرقنة” المشهد التونسيّ من حيث العمليات الانتحارية الجبانة والسيارات المفخخة مقدّمة لتحويل تونس من دائرة “فشل الدولة” في إدارة استحقاقاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، إلى دائرة “الدولة الفاشلة” العاجزة عن تأمين الحماية والسيطرة على شريان الحياة صلبها.

عمل الإرهاب منذ نزوله من الجبال والأحراش إلى المدن والعواصم إلى استهداف العصب الأساس للدولة، انطلاقا من باردو محميّة الآثار الإنسانية وفضاء السلطة التشريعية، إلى سوسة لبنة السياحة الداخلية والخارجية وعاصمة الساحل الذي أعطى للدولة أجيالا من المسؤولين والإداريين الأكفّاء، وصولا اليوم إلى شارع محمد الخامس القلب النابض سواء من حيث المؤسسات الاقتصادية العديدة أو من حيث أنّه الشارع الأقرب إلى فضاءات الفن الرابع والسابع المحتضنة لمهرجان قرطاج السينمائيّ.

وفي كلّ عملية من العمليات الإرهابية كان الهدف إدخال الدولة الرخوة في لحظة شكّ وارتياب عبر إيصال الإرهابيين إلى فكرة “البقاء والتمدّد” على الرغم من جهود المؤسستين الأمنية والعسكريّة وحالة الإجماع -الذي لا يزال فقط رهين الخطاب ولم يتكرس بعد حقيقة ميدانية ملموسة- الوطني لمكافحة هذه الآفة.

والحقيقة التي لا بدّ أن نواجهها في هذا السياق أنّ فكرة “البقاء والتمدّد” الإرهابية تتمعّش من بثّ أجواء الرعب والهلع من خلال ضرب القائمين على الأمن بذاتهم، وتبليغ فكرة أنّ خطّ الدفاع الأوّل عن الأمن مخترق أو هو في أقل الأحوال عاجز عن تأدية مهمته.

و”خلق الرعب” الاجتماعي ينطلق عادة عبر بثّ الحيرة والاستغراب وإثارة التساؤلات الإشكالية القائمة حول كيفيّة الوصول إلى هذه النقطة الحساسة وإمكانيات بلوغ أهداف أكثر سهولة وأقل تحصينا، وهي أسئلة مشروعة في مستوى الاستفسار والاستفهام ولكنّها تشكّل في عمقها السجاليّ وقود استقواء للجماعات الإرهابية على الدولة والمجتمع، ذلك أنّها تخفي في طياتها اتهاما بالعجز عن تأمين مناطق حيويّة واستراتيجية، وتمنح للإرهابي أسبقية معنويّة حيال “الدولة” ككلّ، وهو ما لم يدركه بعد القائمون على النقاشات التلفزيونية في القنوات العمومية والخاصة في تونس، حيث تصبّ الحوارات في تقديم الإرهاب كفاعل أساسي ومحوريّ وتظهر الأطراف الأخرى كمفعولين بهم، وهي مطبّات إعلامية تستلزم التأصيل فلا يسمح للإرهاب أبدا أن يتحكم في الرسالة الإعلامية أو في “رجع الصدى” عن إجرامه التكفيريّ.

على مدى أكثر من عام وتونس تعيش حروبا بينية وداخلية تمزيقية في الأساس. حروب على جبهة التشغيل قوامها إضرابات عامة انسحبت على كافة القطاعات، احتراب في جبهة السياسة بين ورثة حزب عاجز عن الحياة بعد أن نجح في “قتل” الترويكا، وحرب في جبهة الاقتصاد أساسها التباين حول مشاريع الاقتراض والتمويل لتونس شبه المفلسة. صراع في جبهات المساجد بين خطباء بالتعيين الحكومي وآخرين بتزكية المصلين، وعلى مدى أكثر من عام كانت الفاتورة غالية ومتراوحة بين “الاستنزاف” و”الاستهداف”، ولم تزدْ حالة الاستعصاء الليبية المشهد التونسي إلا ضعفا وهوانا.

“فرانكشتاين” فينا كتونسيين وليس بيننا فقط، والوصفة الحقيقيّة لقتله للأبد ولمنع ثقافة الانتحار من الانتشار في أوساط الشباب التائه كامنة في خلق الأمل، عبر الشروع في ورشات كبرى -ليست مؤتمرات إعلامية وصحفية فارغة بفراغ أصحابها- لاستحثاث التشغيل والتوظيف وإطلاق المبادرات الحرة والبداية في ردود علميّة مقنعة على الإرهابيين، وتفعيل الخطاب الديني الأصيل والمعاصر في المساجد والفضاءات الدينيّة.

فرانكشتاين ممثلا في ثقافة الانتحار لن يموت إلا بصناعة الأمل، ولئن ثقلت هذه المقاربة على مؤثثي الفضاء العام التونسي فلا يكونوا على الأقل صنّاع اليأس والقنوط.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر