الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

ليتهم كانوا كلابا

سلوك الكلاب مترفع عن العمليات الانتحارية التي تقوم بها الميليشيات الدينية المتشددة والتنظيمات الإرهابية التي تسمم عقول الأطفال والشباب وتحولهم إلى قنابل موقوتة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/11/27، العدد: 10110، ص(21)]

ينعت الكثيرون بعض الأشخاص بالكلاب، وهذه الاستعارة اللفظية فيها الكثير من التجني على هذا الحيوان الأليف الذي لديه مواقف بطولية وصفات وخصال يفتقدها أغلب البشر في عصرنا الراهن.

ولو استطاعت الكلاب النطق لزجرتنا وحاسبتنا حسابا عسيرا على إطلاق أسمائها على من افتقدوا الحس الإنساني، وباتت أفعالهم المشينة وجرائمهم لا تشبه ما تقدمه الكلاب من تضحيات وبطولات مشرفة.

لقد أصبحت الكلاب والحيوانات الأليفة بصفة عامة تعطينا كل يوم دروسا في الوفاء والإخلاص والحب والأمانة، ربما من أجل أن تجعلنا نعيد النظر في هذا التشبيه الذي لا يحمل أي وجه للشبه بينها وبين الكلاب الآدمية المتوحشة التي تفتك بالأحياء والأموات وتنكّل بهم أبشع تنكيل.

إن سلوك الكلاب مترفع عن العمليات الانتحارية التي تقوم بها الميليشيات الدينية المتشددة والتنظيمات الإرهابية التي تسمم عقول الأطفال والشباب وتحولهم إلى قنابل موقوتة.

للأسف، البون شاسع والفروق كبيرة بين موت الكلاب من أجل قضية أو هدف، وبين موت الانتحاريين الذين يفجّرون أنفسهم من أجل قتل الأبرياء.

ومهما يكن من أمر، فسواء كان أولئك الانتحاريون قد خضعوا لعملية غسيل دماغ أو هم متفانون في ذلك عن قناعة ذاتية، فالكلاب التي تموت بسببهم أجدر بالحزن عليها، لأنها ضحت في سبيل أهداف سامية، في حين فجّر أولئك أنفسهم من أجل نيل “الشهادة” المشكوك في أمرها، وهذا الفعل المشين لا يمكن أن نصفه سوى بالمروّع والمرفوض دينيا وسياسيا وإنسانيا.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية آفاق جديدة في ما يتعلق بالتكوين الدماغى للكلب والقدرة الكبيرة لديه على التفكير والتمييز بين الأفعال الخيّرة والسيئة، وعلى تحليل المكونات اللغوية، وفهم المشاعر الإنسانية وتمييز نبرة الصوت، وبالإضافة إلى ذلك لديه إمكانيات مبهرة في حاسة الشم تتيح له معرفة رائحة مرض السرطان التي من الصعب جدا التقاطها عن طريق أي وسيلة طبية.

ولا عجب أن يثير موت الكلب البوليسي "ديزل" في المداهمة التي استهدفت الإرهابي عبدالحميد أباعود بضاحية سان دوني بالعاصمة الفرنسية موجة من الحزن على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذا الحيوان الخارق كان في قلب الأحداث وتقدم الصفوف الأمامية للشرطة من أجل أن ينقذ الأرواح البشرية وضحى بحياته ولم يكن ينتظر مكافأة مشروطة أو منفعة جلية، وفي المقابل لن يحزن أحد على موت أولئك الإرهابيين، بل سنتمنى في قرارة أنفسنا لو كانوا فعلا كلابا لتجنبنا شرّهم وبلاءهم.

ولدى عائلة الطفل مبروك السلطاني الذي قطع الإرهابيون رأسه في جبل مغيلة بجهة سيدي بوزيد، وسط غرب تونس، ألف حق للافتخار بكلبه الذي لازم جثته ولم يبارحها حتى لا تنهشها الذئاب، بل ولم يرض أن يأكل أياما عديدة في ظل غياب صاحبه الذي ذهب ضحية "وازع ديني" لا رحمة فيه ولا شفقة، قوامه قطع الرقاب وإراقة الدماء. وهذا حتما أبعد ما يكون عن تعاليم الدين الإسلامي، وهذا المفهوم لا نجده حتى في الديانات القديمة مثل الآمونية والزرادشتية والديانات الأفريقية، بل البوذية نفسها تقول إن أعمال المرء في الدنيا هي التي تحدد مصيره في العالم الآخر، كما لا توجد له أي جذور لا في الديانة اليهودية ولا المسيحية.

ولو أنصف أبوالعلا المعري الكلب لنظم في خصاله وفي معاني أسمائه السبعين قصيدة مدحية، بدلا من أن يشبه به الرجل الذي نعته بالكلب لمّا عثر في رجله أثناء دخوله مجلس الشريف المرتضى.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر