الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

عصر 'طرطرا'

مع الوقت، يتضح أن تحدي الحداثة في المجتمعات العربية، ليس هيّنا، ولا يحتمل الكذب والادعاء، فإما أن تغادر الماضي، أو سيحبسك في قفصه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/11/27، العدد: 10110، ص(24)]

مات الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري وفي نفسه شيء من “طرطرا”، كان يعرف أنها قادمة، تلك البلاد التي تمنّاها ساخرا منها، ساخطا عليها، حتى اضطر إلى أن يبتكرها ابتكارا في شعره، واليوم وقد تحقق حلم أعظم شعراء العربية الكلاسيكيين الذين عاصرناهم، وأصبحت لطرطرا نماذج حية في العالم العربي، وأصبحت المجتمعات تقاد بالغرائز، والحدود مفتوحة تحميها الميليشيات، والشاشات منابر للدمار والمزيد من التفجير، والكتب استعادة للماضي الذي لم يكن يمضي، توجّب أن نستعيد الجواهري ودولته التي خاطبها بقوله “أيْ طرطرا تطرطري/ تقدَّمي تأخَّري/ تَشيَّعي تسنَّني/ تَهوَّدي تَنصَّري/ تَكرَّدي تَعرَّبي/ تهاتري بالعُنصرِ/ تَعمَّمي تَبَرنطي/ تعقَّلي تسدَّري/ طُوِّفي على الأعرابِ من/ بادٍ ومن محتَضِر/ والتَمِسي منهم جدوداً/ جُدُداً وزَوِّري/ تصرَّفي كما تشائينَ/ ولا تعتَذري/ لمن؟ أللناسِ؟ وهم/ حُثالةٌ في سَقَرِ/ لمن؟ أللتأريخِ؟ وهو/ وفي يَدِ المُحَبِّر/ قد تَقرأُ الأجيالُ في/ دُفَةِ هذا المَحضَر/ عن مِثْلِ هذا العَصْرِ أنْ/ قد كان زَيْنَ الأعصُر/ أيْ طرطرا تطرطري/ وهلِّلي وكَبّري/ أي طرطرا سِيري على/ نَهجِهِمُ والأثَر/ إنْ طوَّلوُا فطَوِّلي/ أو قصّروا فقصّري”.

ومع الوقت، يتضح أن تحدي الحداثة في المجتمعات العربية، ليس هيّنا، ولا يحتمل الكذب والادعاء، فإما أن تغادر الماضي، أو سيحبسك في قفصه، وهذا ما لا نفعله، متعلقين بأهداب الحنين إلى كل حادثة من ضاريات التاريخ، وما حذّر منه من نسميهم بالرواد، ليزدريهم كل ناقص، ويعتبرهم مجرد مثقفين ثرثارين، صار أمرا واقعا اليوم، لكن الجواهري، لم يهنأ برؤيته، ولعله كان محظوظا، فعاش عمر النسر، وغادر قبل أن تتطرطر الدنيا من حولنا، مع أنه أمعن في وصفه الدقيق “كوني على الأضداد في/ تكوينك المُبعثرِ/ شامخة شموخَ قَرنِ/ الثورِ بين البَقرِ”.

تغيّر العالم، ويا لها من لحظة تاريخية طويلة، تلك التي يعبّرها الشرق، مليئة بالتحولات، محتشدة بالضرورات، التي آن لها أن تبيح المحرّمات، في العقل أولا ثم في اليوميات، فنحن نعيش اليوم وبجدارة، عصر ما بعد الاستعمار، ليس لأنه باقٍ في الجغرافيا وخرائط النفوذ، بل لأن مفاهيمه طاغية، فلا حرية إلا الحرية التي أنتجها الغرب، ولا ديمقراطية إلا ديمقراطية الغرب ولا علمانية إلا علمانية الغرب، وما لم يحدث لنا هو ما حدث للعالم أجمع، حين تفككت الأيديولوجيات الكبرى المهيمنة وبقيت على حالها عندنا، دون أن نتمكن من تغليب دور المجتمع المدني على التعصّبات، والحياة المتقدمة العملية على البدائية القادمة من التراث النظري.

متنبي طرطرا القادم بدوره من تراث آخر لا يجب أن يزول، يليق به، وإن اختلفنا معه في مدائحه، أن يكون وحيدا في بلاغة العبارة، وفي تدوين المستقبل كراءٍ حاد البصر، وشجِنٍ يخالط عقله الكبرياء مع الانكسار، أليس هو القائل “أقول و رُّبما قولٍ يُدَّلُ به و يُبتهلُ/ ألا هل تُرجِعُ الأحلام ما كُحِلت به المُقَلُ؟/ وهل ينجاب ُعن عينّي ليلٌ مُطبِقٌ أَزَلُ/ كأن نجومَه الأحجارُ في الشطرنج ِ تنتقلُ؟”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر