السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

كابول - دمشق.. رحلة 46 عاما

الخلطة المعقدة، شجعت الرئيس فلاديمير بوتين على دعم الحاكم السوري ونظامه وملء فراغات السياسة الأميركية في المنطقة وبذات أساليب استدعاء القوات الروسية بطلب من الصديق الأفغاني.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/11/28، العدد: 10111، ص(9)]

10 سنوات من التدخل الروسي، أو الاتحاد السوفييتي آنذاك، بين 1979 – 1989، تحولت أفغانستان، خلالها وبعدها، إلى أوصال مقطعة إلى ما يقارب 65 جهة متصارعة في الحرب الأهلية، متفاوتة الأهداف والمرجعيات، وفق كراس أصدرته منظمة المؤتمر الإسلامي في التسعينات.

أعداد لا يستهان به من هذه الجهات كانت توفر لمجموعاتها البشرية أو قبائلها المؤن والغذاء عن طريق السلاح والاستيلاء على مواد الإغاثة الدولية أو بعمليات نوعية على لوجستيات قوات عسكرية.

من يتابع ذلك العقد الثمانيني، يتأكد أن الكثير من المبادئ الأساسية للعلاقات بين الدول تفسخت وطرأت عليها مفاهيم جديدة في السياسة، أخطرها الازدواجية والكيل بمكيالين والحروب بالنيابة، وتمدد الحركات الأصولية وتصاعد نشاطها من المقاومة إلى ترسيخ مفاهيم الجهاد، وتحولها إلى إنتاج مبررات داعمة لمشاريع الاستثمار الاستعمارية، وعملت كقوة جذب مفتوحة لمتغيرات كبرى، أفرزت رحيل الشاه في إيران وسيطرة المؤسسة الدينية بنظام ولي الفقيه، وتفاقم أزمة الرهائن الأميركان، وبداية الحرب مع العراق وإيقاف عجلة التنمية الانفجارية فيه بعد تأميم النفط واستنزاف ثرواته في تدعيم آلته الحربية، وإشغال المنطقة في آثار النزاع الدامي وخاصة دول الخليج العربي، ومنها الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وما تبعه من رحيل المقاومة الفلسطينية واغتيال العديد من قادتها.

الصراع الأميركي – الروسي، ليس جديدا في تداعياته على الإنسانية ومنطقتنا ومقترباتها الآسيوية والأفريقية، وأتذكر في 20 نوفمبر 1983 ليلتها عرضت قناة ABC الأميركية فيلم “اليوم التالي”، شاهده القادة الأميركان والسوفييت وتابعه جمهور عريض من شاشات عملاقة في مدن عديدة منها واشنطن وموسكو، وتناول حقائق المأساة بعد حدوث الضربات النووية بين حلف الناتو وحلف وارسو، بما أدخل الصدمة في نفوس المشاهدين.

تلته مباشرة تعليقات لشخصيات متعددة الاهتمامات حضرت في قاعة خاصة بمحطة العرض وكان من بينها هنري كيسنجر عراب السياسة الأميركية، جرى يومها اتصال هاتفي مباشر بين الرئيس الأميركي رونالد ريغن وزعماء الاتحاد السوفييتي، بعدها جرت اتفاقيات نزع وتحجيم للأسلحة الإستراتيجية ونهاية سنوات الحرب الباردة وما عاشته أوروبا من هاجس انفلات الرعب النووي.

بعد 46 عاما من دخول السوفييت إلى كابول، بحجة حماية صديقها الحاكم وتياره، تعاد الحلول الجاهزة والمجربة إلى الأرض السورية هذه المرة، لكن في واقع مختلف يجتهد لإعادة روسيا إلى ما قبل زمن ميخائيل غورباتشوف وإصلاحاته الجذرية “البريسترويكا” وتبعاتها اللاحقة التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي.

غورباتشوف قبل نهاية حكمه في العام 1987 طلب من القناة الروسية عرض الفيلم الأميركي “اليوم التالي” ليعيد تذكير الجميع بضرورة التجاوب مع التغيير في انفتاح أفق العالم نحو الاقتصاد والتوجه للاتفاقيات المنظمة للتجارة العالمية.

الملف الأفغاني القديم تطاير منه الرماد بكل الاتجاهات، بدءا من إعدام الرئيس محمد نجيب الله إلى تداعيات حكم طالبان وإفرازاته حتى 11 سبتمبر 2001 وما تلاه من احتلال أميركا لأفغانستان وبعدها العراق، وصولا إلى احتلال الموصل من قبل النسخة الجديدة لطالبان والقاعدة.

الرئيس الأميركي باراك أوباما صرح أكثر من مرة بأن الحرب على الإرهاب طويلة الأمد وتستغرق ما لا يقل عن ثلاث سنوات، وهي فترة سنوات حكمه الباقية، وتطرق بعض قادته إلى سقف زمني يتجاوز الثلاثة عقود وما رافق ذلك من تشكيل لتحالف أكثر من 60 دولة لتنفيذ ضربات جوية، غير فاعلة، في القضاء على الإرهاب.

علاقة طهران بالأحداث الأفغانية ليست مجهولة، وكذلك إيواؤها الآلاف من أفراد التنظيمات المتشددة بعد الاحتلال الأميركي، وعلاقة طهران بالحاكم السوري ومصالحها مع الاتحاد الروسي، وتخادم الوجود الأميركي مع مشروعها الإمبراطوري، وامتدادات شائكة في تقاطع والتقاءات المصالح ونشوء قوى الإسلام السياسي والحلم التركي بعودة النفوذ، مع موجة ما عرف بثورات الربيع العربي وفشل النموذج الليبي لتدخل الناتو ومقتل القنصل الأميركي في بنغازي، وقبله فشل التجربة الديمقراطية التي أفرزها احتلال العراق وتسيلمه إلى إيران وحرب الطوائف والإرهاب.

الخلطة المعقدة، شجعت الرئيس فلاديمير بوتين على دعم الحاكم السوري ونظامه وملء فراغات السياسة الأميركية في المنطقة وبذات أساليب استدعاء القوات الروسية بطلب من الصديق الأفغاني.

الذاكرة الأفغانية تحتفظ بالمئات من القرى المدمرة من قبل سلاح جو الاتحاد السوفييتي بنفس المبررات وهي القضاء على الجهات المتمردة من التنظيمات الإسلامية.

الضربات الجوية الروسية في سوريا اتخذت حججا إضافية، أخطرها الانتقام الواسع لسقوط الطائرة المدنية الروسية في سيناء، وستجر الكثير من إشكالات الحماقات الحربية في إبادة المدنيين، وخرق الأجواء بعناد وقصد وزيادة التوتر مع تركيا بعد إسقاط طائرة السوخوي الروسية بطائرة 16F أميركية الصنع بعائديتها التركية.

من يستجمع الرؤية والرؤيا، يخرج بنتائج ملموسة ومنطقية، أن التدخلات العسكرية خارج الحدود تكلف العالم خسائر فادحة، لم تقف في مرحلتها، إنما تتبعها ماكنة لإنتاج الأخطاء تمتد “كما يبشرنا” الرئيس الأميركي لثلاثة عقود، والحقيقة أن أربعة عقود ونصف العقد لم تكن كافية لبناء حاجز بوجه تفاعلات استدعاء الصديق الأفغاني للقوات السوفييتية لحمايته من مناوئيه.

احتلال شبه جزيرة القرم، والإقدام على وضع الإمكانات الحربية والسياسية لروسيا في الخانق السوري، كُلفتهما انتشار الهوس بردود الأفعال وضغط الانفعال العاطفي للشعب الروسي نتيجة الخسائر في المدنيين الأبرياء.

تابعت بوتين وهو يلقي خطاب انتصاره في شبه جزيرة القرم أمام نوابه الروس وبحضور شخصيات نافذة في الحياة الروسية، وقرأت وجوه كبار السن من الحاضرين الذين عاشوا مأساة الحروب وجربوا حماقاتها، كانوا أقل حماسة لروح الفخر والصرامة البادية على خطاب الرئيس، من الشباب المندفع إلى أي مواجهة دون رجحان لميزان الحكمة والتخطيط وتغليب الحوار (كما يطالبون دائما في كل نزاع) كبديل نوعي لاستخدام السلاح.

دائما الغاطس من حقائق السياسة وفرض الإرادات هو الذي يأتي بأحداث اليوم التالي.. لكن ما نراه، إننا بحاجة إلى علاج من حالة الهذيان الواسع في لغة الحرب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر