الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

إيمان البغا أمّ داعش الفقهية في الموصل ووالدها يدعو لبشار الأسد في دمشق

عالمة داعش إيمان البغا تستند إلى الكثير من الموروث الفكري في الإسلام، الذي ما يزال يدرّس في جميع المناهج والمدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/11/29، العدد: 10112، ص(8)]

ظاهرة "مدنية" قالت إنها بحثت عن "كهف" تأوي إليه

برلين - كتب كثيرون عن ظاهرة انخراط الشباب المسلم في التيارات المتطرفة بشكل غير واعٍ، وربما جرى استدراجهم وإغواؤهم بطريقة أو بأخرى، غير أن حالة إيمان البغا اليوم، جديرة بالنظر، فهي امرأة وعالمة وابنة أسرة علمية وابنة مدينة دمشق أي أنها لا تنتمي لما يسمّى جزافاً بـ”قطيعية الأرياف”، وهي حين تتصرف بالصورة التي ظهرت عليها خلال العام الماضي، فإنها تسترعي القراءة والتحليل، وعدم الاكتفاء بضرب الأمثلة والشواهد مما قالته كما فعل البعض، دون أن يكون لديهم الجرأة على الدخول أعمق إلى سبب الظاهرة لا البقاء عند نتائجها وحسب.

أستاذة الثقافة الإسلامية

أخذت أخبار إيمان البغا، تترى، منذ أن قامت بمغادرة عملها كأستاذة للدراسات الإسلامية في جامعة الدمام بالسعودية، معلنة أنها ذاهبة لتواصل حياتها في “أرض الخلافة” في حياض تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية (داعش)، مبايعة أبا بكر البغدادي كخليفة وإمام للمسلمين.

وكان من أهم ما قرأتُ شخصياً، مقال للدكتور محمد حبش الأستاذ الجامعي، الذي، ربما نختلف معه في توجهات سياسية، إلا أنه كان أكثر جرأة على الاقتراب من لبّ المشكلة، حين عنون مقاله بـ”مصارحات في وجوب إصلاح المناهج الدينية، إيمان البغا نموذجاً“، الذي نشره على الفيسبوك، لاستحالة نشره في الصحافة العربية التي تخشى من هكذا عناوين.

درست إيمان البغا في دمشق، وحصلت على شهادة الدكتوراه في الفقه وأصوله من جامعة دمشق، وهي حاصلة على دبلوم تأهيل تربوي من جامعة دمشق، لتصبح لاحقاً مسؤولة عن قسم الثقافة في الهيئة العالمية لإعجاز القرآن في الدمام، وقد صدر لها العديد من المؤلفات العلمية منها “ولاية المرأة”، وكانت تدرّس في كلية الدراسات التطبيقية و”خدمة المجتمع“ في السعودية.

تقول عن نفسها “أول ما بدأت به في معرفة الشرع، عندما كنت أحضر دروس الوالد حفظه الله في المسجد القريب، ثم الثانوية الشرعية وكان فيها أستاذ الجميع الشيخ خير العلبي، رحمه الله، وكان على المذهب الشافعي، وكذلك أخذت الكثير من الشيخ كريم راجح، حفظه الله، وكانت الخمس دقائق شرح منه تكفي ساعات لغيره، ثم تابعت في جامعة دمشق، وكان فيها من العلماء الأفاضل، ومن لم أجتمع به منهم درست كتبه، وبعدها انشغلت بالتدريس وبرسالة الماجستير ثم الدكتوراه ثم الأبحاث، وبعد التخرّج لم أعد أمسك في يدي كتابا لمعاصر بل أعود إلى المراجع السابقة على المذاهب الأربعة من دون تمييز بينها. وقد درّست كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب عندما كنت في السعودية، فلم أجدها تختلف عما درستُه في دمشق”.

عالمة داعش إيمان البغا لم تتردد في انتقاد الانتفاضة السورية، ورفض مطالب الثائرين السلميين، قائلة "لم كانت تلك الثورة التي يريدون مني أن أشترك بالولولة على الفيسبوك من أجلها؟ هم طالبوا بالثورة من أجل الحرية والحقوق، حسناً أنا لا أريد حرية ولا حقوقاً، ولم تكن يوماً حريتي هي مطلبي"

بين إمامين "عادلين"

عرفت بين طالباتها كـ”داعية” ويقال إنها أثّرت في الكثيرات منهن، بفضل تمكّنها من الإقناع، غير أنها انشغلت في السنوات الأخيرة بالانكباب على تحليل “الجهاد” في الإسلام، إضافة إلى شؤون المرأة المسلمة.

من يعرف خارطة علماء الدين واللغة العربية والتحقيق في سوريا، لن يفوته اسم “البغا” الذي يعدّ من أكثر الأسماء تداولاً في هذا الحقل، فتلك الأسرة، من أبرز عائلات دمشق، وبرز منها كثيرون من بينهم الشيخ والدكتور مصطفى ديب البغا الميداني الدمشقي، أشهر محققي الكتب الشرعية في الشام، فله أكثر من خمسين كتابا في التحقيق والشرح والنشر لأمهات كتب السنة النبوية، وكان قد أشرف على أكثر من خمسين رسالة ماجستير ودكتوراه لطلاب الشريعة في جامعات سورية وأردنية ولبنانية، كان خطيباً لجامع الغواص، قبل أن يتولى الخطابة في جامع زين العابدين أكبر مساجد الشام بعد الجامع الأموي، وله الكثير من الخطب التي وصف فيها بشار الأسد بأنه “الإمام العادل”، ما تزال متاحة على المواقع الإلكترونية ويمكن الرجوع إليها على اليوتيوب، وفي كثير منها يقول للأسد إنه متيقن أنه “واحد من السبعة الذين سيظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظلّه”.

أما شقيق إيمان البغا الدكتور محمد الحسن البغا فيشغل منصب عميد كلية الشريعة بدمشق، متخصصاً أيضاً في الفقه الإسلامي وأصوله، فالمرأة التي نتحدث عنها اليوم، متحدرة من أسرة علم، وليست قادمة من هوامش الجهالة والاستعجال في الحكم على الأمور، أو النظر في أصول الدين وفرائضه.

ذات يوم كتبت إيمان البغا، تغريدة على موقع تويتر تقول فيها “لم أجد ظلماً من جامعتي الحبيبة جامعة الدمام، وما رأيت منها إلا كل خير، فالظلم من الطغاة الذين ظلموا أمتنا وظلمونا، حفظ الله وثبّت دولة الخلافة الإسلامية التي أفديها”، وتعني هنا دولة الخليفة المزعوم البغدادي.

وجّهت إيمان البغا رسالة إلى طالباتها في الجامعة قالت فيها “غبت عنكم لأنّي كنت أبحث عن كهف آوي إليه، للنطق بكلمة الحق، لذا تركت جامعتي الحبيبة”، وتستعمل البغا صفحتها على الفيس منذ أن غادرت إلى دولة الخلافة كما تسميها كمنبر للتبشير بفكرها وفكر داعش، تقول “درست فقه الجهاد، وقرأت التاريخ وسير معاركه والتاريخ المعاصر وثوراته، وليس الخلاف بين جميع فصائل الجهاد -اليوم- في العقيدة بقدر اختلافهم في المنهج، فبعض تلك الفصائل من تسير بمنهج خاطئ، بل قاتل على رغم وجود المخلصين في صفوفها، ولا يجب على أصحاب المنهج الصحيح أن يجاملوها البتة، حرصاً على مصلحة الأمة”.

تأصيل الوحشية

ترى إيمان البغا أن “الحق ظهر وانتهى، وليوثه هاهنا، فحكم فقهي واحد تركه الحكّام أغلى منك ومن العالم أجمع، أنت لا تساوي عندي شيئاً، ولا هم ولا غيرهم ولا الجميع، ومخالفة حكم شرعي واحد تساوي الجميع، والله أقوى من الجميع، فالله لم ينزل شرعه لينتظر من حكامنا أن يأذنوا بالتطبيق، فنحن المحاسبون”.

تشرح “الشيخة” لماذا أقدمت على ما أقدمت عليه بالقول “تركت راتبي الضخم والتحقت بخدمة الأمة الإسلامية لمحاربة الطغاة، فكثيراً ما كنت أعظ طالباتي بألا يضيّعن أوقاتهن في رؤية المسلسلات”. معلنة أن الإرهاب الذي يُتّهم به المسلمون ليس صفة سيئة بل هو أمر إلهي صريح ورد في القرآن الكريم في الآية “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”.

مجتمع داعش

تستند “العالمة” إيمان البغا، إلى الكثير من الموروث الفكري في الإسلام، الذي ما يزال يدرّس في جميع المناهج والمدارس والمعاهد والجامعات الإسلامية، والذي يبرّر تماماً ما تقوم به داعش، سواء ما يتعلق منه بوضعية المرأة، ولباسها وحقوقها، أو في السبي وملك اليمين، وانتقال الملكية عبر الغزو، وكذلك في بقية الشؤون، لا سيما ما يتعلق منها بالحدود، كقطع اليدين والرؤوس، وترى أنها من صلب الشريعة، ولا أجدها هنا تجانب الصواب، فما تقوله موجود وقائم، ولم يظهر حتى اليوم، من يطالب بتغييره من بين علماء الدين، إلا من ندر وخفت صوته، فسرعان ما ستشن عليه الحملات والتكفير والتخوين.

وتستعرض بكل يقين، إنجازات داعش حتى على مستوى الخدمة المدنية، فتتباهى بشوارع مدينة الموصل، في ظل حكم الخليفة البغدادي، واصفة إياها بأنها أفضل وأجمل من شوارع الدمام بالسعودية، مؤكدة أنها “أنظف بسبب القوانين التي تطبقها الدولة”، فداعش تطبّق القوانين بحزم أكثر من الدول العربية والغربية مجتمعة.

الدعوة التي تحملها ابنة الشيخ مصطفى البغا، خطيب بشار الأسد، تقوم على جذب الناس إلى داعش، ليلتحقوا مثلها بما سمّته “حلم الأمة” فتقول “إن الدولة الإسلامية قامت على تطبيق الشرع، وإن كل من يأتي لها سيكون هو الدولة، لأن ما يجمع الكل هو الشرع، الذي أصبح الحاكم على الجميع، فالدولة لا تخضع لأحد ولا تطلب العون من أحد ولا تهادن أحداً”.

الثقافة التي تراها أستاذة الثقافة السابقة في جامعاتنا الرسمية، وأستاذة الثقافة الحالية في مجتمع داعش، لا تشبه الثقافة العصرية، بل ترجم وتلعن كل مظهر حديث مدني، وتصفه بالفجور والفسق، محرّمة قراءة كتب أدباء مثل نجيب محفوظ الذي تقول عنه إنه “كان بارعاً في وصف الحارات وأماكن القمامة والشخصيات السلبية والمواقف الكريهة”، أما نزار قباني فتقول إنها جمعت كتبه كلها قبل أن تعطي رأياً فيه “أتيت بدواوينه، فإذا بي أرى منها، القرف”، أما محمود درويش فهو عند إيمان البغا “بائس تطاول على الذات الإلهية”.

مع البوطي "الشهيد"

إيمان البغا، لم تترك خلفها قبل التحاقها بثورة البغدادي، أيّ موقف تجاه ما يحدث في سوريا، ولم تقل شيئاً عن قتل الأسد لشعبه، وسفك الدماء، وقصف المدن، بل إنها بالغت في مديح علماء الدين الذين تحلّقوا حول الأسد، وحين تم اغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، المعروف بدفاعه المستميت عن بشار الأسد، كتبت إيمان البغا ترثيه، ووصفته بالشهيد، وقالت “من يسمع خطب البوطي يرى فيها اجتهاداً شطّ به، لم أهتز لموته فميتته رائعة وهو في درس العلم، بكى قلبي على خسارة الأمة له”.

حتى أن البغا لم تتردد في انتقاد الانتفاضة السورية، ووصفتها بأنها “ولولة على الفيسبوك” ورفضت مطالب الثائرين السلميين، قائلة “لمَ كانت تلك الثورة التي يريدون مني أن أشترك بالولولة على الفيسبوك من أجلها؟ هم طالبوا بالثورة من أجل الحرية والحقوق، حسناً أنا لا أريد حرية ولا حقوقاً، ولم تكن يوماً حريتي هي مطلبي”.

الشيخ مصطفى البغا والد إيمان يخطب أمام الأسد ويدعو له بعد العام 2011 (الصورة نقلا عن شاشة التلفزيون السوري)

مشاعل الظلام

منذ أن التحقت إيمان البغا بتنظيم داعش، تحوّلت إلى واحدة ممن يسمّونهم في عالمهم المعزول “مشاعل علمية لنصرة دولة الخلافة الإسلامية” وهو الوصف الذي عنونوا به بياناً أصدروه قبل عام من الآن، وقّعت عليه إيمان البغا، وكان يؤصّل لشرعية خلافة البغدادي.

يلتبس ملف العلماء الذين يؤيدون داعش، لكنه يلتبس على من لا يريدون مواجهة الحقيقة، وهي أن الإشكال يقبع في المنهاج، وفي الجذور العلمية، التي تستند إليها داعش، تقول إيمان البغا “أليس في سيرة النبي الكريم أنه حز الرقاب وفتح المقابر الجماعية لأعداء الأمة من بني قريظة وغيرهم؟ ألم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم شاكراً لله يوم جاءه ابن مسعود مع الغلامين الصغيرين من بني عفراء وهم يركلون رأس أبي جهل بنعالهم بعد أن احتزوا رأسه وفصلوه عن جسده؟ وهل تريدونا أن نقدم الإسلام في استخذاء وضعف حتى يطمع بنا كل طامع؟ إن الذين يعترضون على قيام رجال الدولة بالذبح والقطع وحز الأعناق هم أولئك الذين لا يريدون لشريعة الله أن تسود ولا يريدون للإسلام أن يكون ديناً مهيمناً على الحياة”.

أما المسيحيون الذين طردتهم داعش من الموصل وهدمت كنائسهم، فترى إيمان البغا أنه لا شك في “كفرهم” وأنهم أشدّ كفراً من اليهود، لأن “نزاع اليهود في النبوات ونزاع النصارى في الإلهيات”، وتتابع “ولكنّ كفرهم وضلالهم لا يعني الاعتداء عليهم، سنحميهم ولكن سنبين لهم كل يوم ما هم فيه من ضلال وكفر وغباء، وكل ما نطلبه منهم أن يخضعوا للدولة الإسلامية وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.

الكهف الذي وصفته إيمان البغا، في اعتذارها من طالباتها عن غيابها عنهن، ليس كهفاً افتراضياً، بل هو كهف المعرفة الذي ما زال مغلقاً في أصول المناهج والعلوم الشرعية والذي لم يعد قابلاً للاستغلال والاستثمار كما تفعل التنظيمات الإرهابية والأنظمة الاستبدادية وكذلك الدول ذات المصالح التي تريد بدورها تأصيل هجومها على الشعوب والأمم معللة ذلك بما لديهم من عنف علمي متجذّر.

لكن هذا يحتاج إلى شجاعة من العلماء والباحثين، وهؤلاء ما زالوا يتذرّعون بدورهم بالخوف من الجمهور، أو الخوف من السلطات، ما دفعهم إلى الانحياز إلى الشعبية عند الجمهور، أو رضا الحكام، فجلسوا في موضع هو بالتحديد سبب كل ما نحن فيه اليوم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر