السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

'سلالة غريبة' يمزج الرعب والجريمة بالخيال العلمي

  • الاختفاء ظاهرة تتكرر وتخلف وراءها شتى التكهنات والاحتمالات، ويشتغل في المقابل البحث الجنائي على فرض أن ذلك الاختفاء يخفي وراءه دوافع إجرامية تستدعي التحرّي، يقع ذلك في السياق الفيلمي كما في سيرة الحياة، وتجري فصول الدراما متعقبة أسرار ودوافع ذلك الحدث، ومن الذي يقف وراءه، ويبقى التركيز على الدوافع والأسباب والاحتمالات، بينما كل شيء مفتوح على المجهول واللامتوقع. ثم سرعان ما تطرح فرضيات ماورائية؛ قوى خارقة آتية من كواكب أخرى قادرة على اختطاف الكائن البشري، ومع ذلك يبقى السؤال قائما ترى من الفاعل ولماذا الاختطاف؟ ذاك ما يقدمه فيلم “سلالة غريبة” للمخرجين روبرت بينافايدس وأندي بالمر.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/11/30، العدد: 10113، ص(16)]

سلالة جديدة وغريبة تجمع بين الضواري والبشر

على وقع الحدث المرتبط بالاختطاف المجهول مصدره وفاعله تبدأ أحداث فيلم “سلالة غريبة” للمخرجين روبرت بينافايدس وأندي بالمر (إنتاج 2014)، حيث الأمر مرتبط باختفاء راتشيل (الممثلة لاورا غوردان)، ففيما هي في رحلة إلى البرية مع حبيبها ماثيو (الممثل ميكائيل فين)، وفي إحدى ساعات الليل سيسمع صراخها، ثم لا يبقى لها من أثر وسط الأحراش وعتمة الليل.

القصة تتكرر مع فتاة أخرى عند تتابع أحداث الفيلم، وخلال ذلك يكون للشرطة دور التحري، كما لشقيقة الفتاة المختطفة أدلة بوجود أصوات وذبذبات وإشارات يجري التقاطها من مكان الاختطاف، فيما سيقبع ماثيو بمستشفى الأمراض العقلية، وتجري جلسات استماع واستجواب له يختلط فيها الوعي باللاوعي، الأحلام بالأوهام، التهيّؤات بالحقائق في كل تداخل يوظف مونتاجيا وإخراجيا لتصعيد الإيقاع الفيلمي وخلط الأوراق على المشاهد.

السردية الفيلمية هنا تفعل في تصعيدها دوافع الجريمة فعلها من خلال دوافع ماثيو باتجاه حبيبته، وبهذا تمضي الأحداث سجالا، فها هو ماثيو مع إليسا وهي شقيقة فتاة مختفية بنفس الطريقة (الممثلة راتشيل ديماريا)، يقتفيان أثر الأصوات، لكنه لا يجد متسعا لذلك، فهو ملاحق بنظرات الاشتباه التي يسلطها عليه رجال الشرطة.

وعلى هذا تتحول الشخصية المحورية في هذا السرد إلى نقطة توتر عالية من خلال القوى التي تتجاذبها من كل جهة،فالانتقال بالشخصية المحورية إلى تحولات وأطوار لا يشبه بعضها بعضا، وكأنها شخصيات عدّة أو شخصية محورية، ولكنها متشظية على أكثر من مسار من مسارات الدراما الفيلمية.

بالنسبة لماثيو نفسه فإن السؤال ليس من اختطف راتشيل، بل ماذا يريدون منها؟ وهو سؤال سيتحقق من إجابته بعد ادّعائه العثور عليها وقد بدأت تتحوّل إلى كائن آخر بفعل تلك الرحلة الغرائبية في المجهول، حيث اكتشف آثار جراح عميقة وتحوّلات جسمية أفضت بها إلى كائن يتحوّل تدريجيا إلى وحش بشري يجهز على أقرب الناس إليه، وسيكون ماثيو هو الضحية حتى تنقذه إليسا في مشهد تصعيدي يكشف حقيقة ما انتهت إليه راتشيل بأن قوة ما قد اختطفتها وحولتها إلى كائن آخر، بل صنع منها سلالة جديدة وغريبة تجمع بين الضواري والبشر.

يمضي ماثيو عاما كاملا في تلك الصحارى مقتفيا أثر حبيبته علّه يعثر على أثر لها، وتتراكم في عقله تلك الصور التي تدفقت منذ المشاهد الأولى، والتي تحكي قصص اختفاء أناس آخرين بنفس الطريقة على أيدي كائنات مجهولة، لكن كل ذلك سيُعَدّ مجرد خيالات وتخريفات وأن ماثيو ليس إلاّ إنسانا تم العبث بذاكرته، وأن ما يتخيله بصدد حبيبته، هلوسات ليس أكثر.

كل ما سبق يؤكده طبيب ماثيو المعالج بعد عدة جلسات، لكنه سينفجر في وجهه مؤكدا أنه -الطبيب- ليس إلاّ جزءا من المؤامرة التي تجري فصولها تباعا والتي تمّ فيها استدراج ماثيو وإليسا لكي يؤخَذا إلى المجهول، فيما تظهر راتشيل في نهاية الفيلم جزءا من حلقة المؤامرة.

يتكرر مشهد اختفاء راتشيل وهي وسط الأحراش مرارا وفي كل مرة من زاوية مختلفة ومن أجل غاية درامية مختلفة، وقد استخدم هذا المشهد مدخلا للتصعيد الدرامي في ما يتعلق بماثيو واستدراجه وإيصاله إلى حافة العجز عن إدراك الحقيقة.

رافق مشاهد الاختفاء والظهور استخدام مونتاجي متقن من أجل الكشف المكاني من جهة والغوص في دوافع الشخصيات وردود أفعالها من جهة أخرى، فالانتقالات رافقت التدفق في الخيالات والاستذكارات في خليط صوري كثيف عمّق السرد الفيلمي، حتى تمّ خلال ذلك طمس العديد من المعلومات المباشرة ليترك للمشاهد المزيد من المساحة لغرض التكهن والتوقع والمضي مع الأحداث إلى نهاياتها.

وتبقى الاحتمالات مفتوحة إلى آخرها في ما يتعلق بذلك العالم الخيالي المجهول الذي يقف وراء تلك الأحداث الغامضة والمحيرة، والتي يقع في مقدمتها اختطاف راتشيل وإخفاؤها. هي دراما فيلمية مركبة بعناية يختلط فيها الخيال العلمي بالجريمة مع التحرّي والرعب في كل كثيف متداخل، تغلفه دراما نفسية معقدة يتمّ من خلالها تقديم سرد فيلمي متداخل من خلال خطوط متعددة، لا تكاد تتفاعل مع أحد مساراتها حتى تدخل في مسار آخر جديد، وهو عنصر تميّز إضافي في هذا الفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر