الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

تداعيات التقارب الأميركي- الإيراني على المنطقة العربية

القراءة السعودية للموقف الأميركي من المسألة السورية تقوم على الربط بين هذا الموقف، والتحول باتجاه التفاهم مع الطرف الإيراني باعتباره شريكا فعليا للنظام السوري في معركته ضد الثورة السورية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/10/25، العدد: 9359، ص(8)]

التغير الملحوظ الذي طرأ على العلاقات الأميركية الإيرانية، لاسيما بعد الاجتماع الأخير لمجموعة خمسة زائد واحد مع الطرف الإيراني المفاوض يطرح تساؤلات عديدة، بعضها يتعلق بالأسباب الكامنة وراء هذا التحول الدراماتيكي إيرانيا وأميركيا، وبعضها الآخر يتعلق بالتداعيات المفترضة لهذا التحول على صعيد المنطقة والمسألة السورية، وبين كل هذا موقع إيران في المشهد الجديد الذي يعاد رسمه للمنطقة.

على المستوى الإيراني لم يعد خافيا على أحد حجم الأزمة الاقتصادية والمالية التي بات يعيشها الاقتصاد الإيراني ومعه المواطن الإيراني جراء العقوبات الاقتصادية الغربية، لكن هذا العامل بمفرده غير كاف لكي يدفع بالنظام الإيراني إلى قبول ما كان يعتبره مسا بالسيادة الإيرانية وانتقاصا من حقوقها في امتلاك الطاقة النووية التي لا يمكن التنازل عنها. إذا أين يكمن العامل المهم في هذا التحول؟

لاشك أن نجاح طهران في عمليات تخصيب اليورانيوم إلى الدرجة 20 والتوسع في بناء مفاعلاتها وأنظمة الطرد المركزي، أثبت أن إيران باتت تعتبر دولة نووية لا يمكن تجاهلها سواء امتلكت القنبلة النووية أم لم تمتلكها، وهو ما يتطلب من القوى الغربية العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة أن تتعامل معها على أساس حجمها كدولة نووية في المنطقة، وهو ما يترتب عليه الاعتراف بمصالحها وبنفوذها في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها باتت لاعبا مهما على ساحتها، سيما وأن موعد الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان يقترب كثيرا.

التفاهم الأميركي الإيراني حيال بعض قضايا المنطقة ليس جديدا، فقد حصل أثناء الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وقبل احتلال أفغانستان، وبالتالي فإن تلك التفاهمات يمكن البناء عليها والتأسيس لتفاهمات جديدة أوسع وأشمل بينهما. في ضوء هذا المتغير الجيو سياسي هناك طرفان يتخوفان من انعكاسات هذا التفاهم عليه، الطرف الأول هو الاتحاد الروسي الذي سارع إلى تحذير الغرب من الإفراط في التفاؤل، لأنه ثمة قضايا معقدة ما تزال تحتاج إلى كثير من التفاوض، وهو بذلك يحاول أن يوحي للغرب بأنهم ما زالوا بحاجة إليه لإنجاح هكذا مفاوضات. لكن الولايات المتحدة الأميركية التي تبغي من وراء إنجاز هذه التسوية مع الطرف الإيراني أن تستفيد من أهمية الموقع الإيراني الاستراتيجية على الخاصرة الجنوبية للروس، لن تحتاج إليهم لكي تتمكن من الوصول إلى هذا الهدف. من هنا يمكن لنا أن نفهم دوافع الرد الروسي المتسرع على نتائج تلك المباحاثات، ومحاولتهم التقليل من شأن التقدم الذي أحرزته. المسار الذي سوف تتخذه التفاهمات الغربية مع إيران سوف تحدد طبيعة الخارطة الجديدة للمنطقة وتقاطعات مصالح اللاعبين الأساسيين وفي مقدمتهم إيران مع مصالح القوى العظمى فيها، وهو ما سوف تترتب عليه تغيرات مهمة في طبيعة التحالفات ونفوذ القوى العظمى وعلاقاتها الإقليمية. الطرف الثاني المرتاب من هذه التطورات الجديدة هو دول الخليج العربي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي عبرت عن هذا التوجس من خلال موقفها من التفاهم الروسي- الأميركي حيال مؤتمر جنيف الذي رأت أنه يشكل محاولة لاختزال المسألة السورية في قضية تدمير السلاح الكيماوي، إضافة إلى اعتذارها عن قبول مقعدها في مجلس الأمن بسبب الازدواجية في المعايير وعجز المجلس عن إيجاد الحلول التي تستجيب لطموحات الشعب السوري في الخلاص من نظام الاستبداد والقمع.

قبل هذا الموقف وفي سياقه حاولت الدبلوماسية السعودية أن تكسب تأييد بعض القوى الغربية لهذا الموقف وفي مقدمتها فرنسا، سواء فيما يتعلق بدعم المعارضة السورية وجناحها العسكري المعتدل ممثلا بالجيش الحر، أو فيما يخص موقفها من تعطيل أي دور لمجلس الأمن في المسألة السورية ومعاقبة النظام على جرائمه بحق الشعب السوري. القراءة السعودية للموقف الأميركي من المسألة السورية تقوم على الربط بين هذا الموقف، والتحول باتجاه التفاهم مع الطرف الإيراني باعتباره شريكا فعليا للنظام السوري في معركته ضد الثورة السورية، وهي لا تستطيع الفصل بين الموقف الأميركي منها والموقف الأميركي الساعي للتفاهم مع الروس على قاعدة ما يمكن التفاهم عليه للوصول إلى تسوية تأخذ في حسابها مجمل المتغيرات الجديدة التي يمكن أن تنشأ عن النجاح الأميركي في إيجاد التفاهمات المطلوبة بشأن برنامج إيران النووي ودورها في منطقة الشرق الأوسط.

قد يكون من المبكر تقدير حجم التفاؤل المتوقع إزاء مستقبل هذه المفاوضات مع إيران بسبب التكتم الشديد الذي تفرضه تلك القوى على فحوى خارطة الطريق التي قدمتها إيران لحل مشكلتها النووية، وعلى حجم التفاهم الذي تحقق أو الذي يمكن أن يتحقق في الجولة القادمة، لكنه من الخطأ تصور تسليم إيران بالشروط الغربية، أو القبول بتقديم تنازلات مهمة في هذا الاتجاه ما لم تحصل على مكاسب حقيقية تتعلق بحجمها ودورها في المنطقة،وهو ما سينعكس حكما على طبيعة الرؤية والموقف الأميركيين إزاء تسوية الصراح المستعر في سوريا.

في الوقت الذي يحاول فيه بعض المحللين السياسيين ربط التسوية فيما يتعلق بالصراع المحتدم في سوريا بالتسوية الإيرانية الأميركية، ثمة وجهة نظر أخرى تفصل بين ما يحدث في تلك المفاوضات، عن أي تسوية يمكن أن تتم للصراع في سوريا. لكن وبغض النظر عن درجة التداخل في المسألتين، فإن محاولة الفصل بين القضيتين يمثل نوعا من التعسف لأن إيران التي عملت طوال عقود من الزمن على تحقيق استراتيجيتها في تكريس نفوذها ودورها في المنطقة لا يمكن لها أن تضحي بكل هذا من أجل الوصول إلى تفاهم مع الولايات المتحدة والغرب. كما أن الولايات المتحدة ليست من السذاجة السياسية بحيث تتجاهل هذا النفوذ ومدى أهميته بالنسبة لإيران النووية. صحيح أنها لن تسمح لها بأن تحقق ما تريده لكنها لابد أن تقدم لها بعض الحوافز الضرورية للوصول إلى التفاهم المطلوب.

سوريا والنظام السوري يحتلان موقعا هاما في قلب الاستراتيجية الإيرانية تلك، ما يعني أن أية تسوية للمسألة السورية لابد أن تأخذ في حسبانها الطرف الإيراني باعتباره طرفا مهما في هذا الصراع وقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. في إطار هذه المعطيات والمتغيرات الجديدة التي تلت موافقة نظام بشار الأسد على تدمير سلاحه الكيماوي، والتفاؤل الذي ساد المفاوضات الغربية مع إيران، تأتي حملة العلاقات العامة المكثفة التي يقوم رأس النظام في سوريا، للترويج لنفسه من خلال لقاءاته المتعددة مع محطات التلفزة والصحف العالمية والعربية، بعد أن استجاب طائعا للمطالب الأميركية والإسرائيلية بتدمير سلاحه الكيماوي، في محاولة منه لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بنظامه، ولتغيير صورته كقاتل ومجرم بحق شعبه، لكي يكون مقبولا كطرف ضمن تلك التسويات والتفاهمات التي يمكن أن تتم مستقبلا. على هذا الأساس يمكن فهم الاستعجال الروسي أولا، والأميركي تاليا لانعقاد مؤتمر جنيف الذي ما زالت أجندته غير محددة، والأسس التي يمكن أن تشكل قاعدة للتفاوض فيه غير واضحة المعالم، ما يعني أنه ثمة محاولة لوضع كل تلك القضايا في سلة واحدة والتفاوض عليها وهوما يعقد المسألة أمام المعارضة السورية ويجعل خياراتها صعبة.

كاتب وصحفي سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر